شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026م20:41 بتوقيت القدس

أطفالٌ صفعهم الواقع بعدما حلموا بعالم جديد..

فرشة ممزقة وخيمة.. ومساحةٌ للعلم لا تشبه "المدرسة"!

21 سبتمبر 2026 - 16:49

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في أول يومٍ له داخل الخيمة التعليمية، بمدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، تلاحقت في عقله الأسئلة: "وين الكراسي؟ وين الطاولات؟ وين السبورة". نظر كرم قديح ابن السبع سنوات حوله، لكنه لم يجد إجابة.

كان كرم يبحث بين الفرشات الممدودة على الأرض عن صورة المدرسة التي ظل يتخيلها طويلًا. كان يتوقع مقاعد وطاولات وسبورة واسعة، وربما جرسًا يعلن بداية الحصة ونهايتها، لكنه وجد فرشة ممزقة، جلس عليها برفقة أربعةٍ آخرين، وسقفًا من القماش، ودفترًا وقلمًا في مساحة تحاول أن تكون مدرسة.

تقول والدته أماني (34 عامًا): "ابني لم يعرف المدرسة كما عرفها الأطفال قبل الحرب، فسنوات النزوح جعلته يتعرف إليها من حكاياتها، وكان ينتظر يومه الأول كأنه موعد مع عالم جديد، لا خيمة أخرى تشبه تلك التي عاش فيها.

وتروي: "صدم عندما عرف أنها خيمة، وعند عودته من اليوم الأول سألني: ماذا سيحدث عندما تغرق الخيمة في الشتاء كما غرقت خيمة نزوحنا سابقًا؟ هل ستبتل الدفاتر والكتب؟ أم سيتوقف التعليم؟".

في مدينة غزة، كانت سارة، ذات الأعوام الثمانية، تواجه مشكلة أخرى داخل خيمتها التعليمية. الحرارة تتسلل من السقف القماشي، وهي تحاول أن تصنع قليلًا من الهواء بقطعة كرتون، فيما تمسك قلمها وترسم في دفترها مروحة كبيرة.

تخبرنا سارة أنها ظنت أن المدرسة ستكون مكانًا أكثر راحة من الخيمة التي تنام فيها كل ليلة، ثم تقول ببساطة: "كنت مفكرة فيها مراوح"، وتعود إلى رسمها، كأنها تحاول أن تضيف إلى الصف شيئًا لم تستطع الخيمة توفيره.

هكذا بدأ أطفال غزة عامهم الدراسي؛ بعضهم جلس على فرشة بدل المقعد، وبعضهم حمل دفترًا واحدًا بدل حقيبة كاملة، وآخرون قطعوا مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى خيامهم التعليمية، بعدما أصبحت المواصلات عبئًا إضافيًا على عائلات أنهكها النزوح.

في الخيام، لا تبدو الحصة الدراسية كما عرفها الأطفال قبل الحرب. نحو ثلاث ساعات يقضيها الطلاب في التعلم، على فرشات بعضها ممزق، تحت سقوف قماشية لا تحميهم تمامًا من قسوة الطقس.

في الصيف، تتحول الخيمة إلى مساحة خانقة يثقل فيها الهواء، وفي الشتاء تخشى الأمهات أن تتحول الأرض إلى برك ماء وأن تتسرب الأمطار إلى الدفاتر والكتب. وبين الفصلين، يبقى السؤال نفسه: كيف يمكن أن يستمر التعليم في مكان لا يشبه المدرسة؟

وفي إحدى المدارس التي تدعمها منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، وتعمل بإشراف وزارة التربية والتعليم، تجاوز عدد الطلاب قدرة الخيام على الاستيعاب؛ فالمكان الذي صُمم لاستقبال نحو ألف طالب، التحق به قرابة ثلاثة آلاف مع بدء الدراسة.

العودة إلى المدرسة لا تعني أن الأطفال يستأنفون دروسهم من حيث توقفت. سنوات الحرب والنزوح تركت وراءها فجوات تعليمية كبيرة.

وليس هذا الاكتظاظ سوى وجه من وجوه الدمار الذي أصاب التعليم في قطاع غزة، إذ تشير بيانات "يونيسف" إلى تضرر نحو 98% من مباني المدارس في القطاع. وخلال الحرب، تحولت مدارس كثيرة إلى مراكز إيواء، فيما خرجت أخرى من الخدمة، لتنتقل العملية التعليمية إلى الخيام في محاولة لإعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الانقطاع.

لكن العودة إلى المدرسة لا تعني أن الأطفال يستأنفون دروسهم من حيث توقفت. سنوات الحرب والنزوح تركت وراءها فجوات تعليمية كبيرة، لذلك يتعرف الطلاب إلى المناهج ضمن برامج التعليم المسرّع، التي تحاول التعامل مع الفاقد التعليمي ومساعدة الأطفال على استعادة ما فاتهم.

وفي خيمة أقيمت فوق ركام مدرسة مهدمة، يبدأ المعلم أحمد حصته بطريقة مختلفة. قبل الحساب واللغة، يمنح الأطفال مساحة للعب والتفريغ، لأنهم -كما يقول- يحتاجون أولًا إلى استعادة علاقتهم بالمدرسة.

المعلمون أيضًا يعودون إلى الصفوف بإمكانات محدودة. يحاولون تنظيم عشرات الأطفال داخل الخيام، وتوفير ما يستطيعون من الأدوات، وإعادة الحصة إلى إيقاعها الطبيعي، بينما يعرفون أن أمام هؤلاء الأطفال سنوات من التعلم يحتاجون إلى اللحاق بها.

ومع ذلك، يأتون.. يمشون تحت الشمس، ويحمل بعضهم دفترًا واحدًا، ويجلسون على جوانب الطرق لأخذ استراحة في المسافات الطويلة، ثم يدخلون الخيمة التي لا تشبه المدرسة التي عرفها آباؤهم، ويحاولون أن يجعلوا منها مكانًا للتعلم.

قد لا تكون هناك مقاعد خشبية، ولا سبورات واسعة، ولا سقوف تحمي الأطفال من حر الصيف ومطر الشتاء، لكن الأطفال هنا يفتحون دفاترهم كل صباح، ويكتبون على الورق ما لم تستطع الحرب أن تمحوه من خيالهم.

ففي غزة، حتى الفرشة الممزقة يمكن أن تصبح مقعدًا، والخيمة يمكن أن تصبح مدرسة، وثلاث ساعات من الدرس قد تكون بداية صغيرة لاستعادة حياة كاملة.

كاريكاتـــــير