الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يتجهز المهندس نور الدين اشتية لاستقبال موسم قطف الزيتون في قرية "تل" جنوبي مدينة نابلس بهمّة عالية، ليس فقط لجني ثماره، وإنما لجمع أكبر قدر ممكن من المخلفات الورقية التي تتركها المعاصر خلال عملية العصر، أو ما يعرف بـ"درس الزيتون".
لا يرى اشتية في هذه الأوراق مخلفات زراعية ينبغي التخلص منها، بل بداية لموسم إنتاج زراعي جديد: موسم زراعة الفطر المحاري.
جاءت فكرة مشروع زراعة الفطر المحاري بعد زيارة علمية قام بها اشتية إلى الصين للتعرف على زراعة الفطر، وفي عام 2024م ابتُعث إلى إيطاليا، حيث أجرى بحثًا علميًا في مركزٍ للبحوث الزراعية حول استخدام سعف النخيل كبيئة زراعية.
وخلال تجربته، عمل اشتية على تطوير الفكرة وتجربة مخلفات أوراق الزيتون كوسط زراعي، ليجد أنها مناسبة جدًا لزراعة الفطر المحاري، لاحتوائها على نسبة عالية من السليلوز.
وسط زراعي
يستخدم اشتية القش والكرتون، إضافة إلى أوراق الزيتون، بعد إخضاعها لعملية تعقيم بدرجات حرارة عالية. وبعد أن تبرد، تعبأ في أكياس، دون إضافة أي مواد كيميائية.
وخلال تفقده أكياس الفطر في غرف مجهزة بناها ويراعي فيها نسب الرطوبة والإضاءة، يشرح اشتية مراحل الإنتاج، مشيرًا إلى أن زراعة الفطر ساهمت في حل مشكلة بيئية منتشرة في فلسطين، سواء من خلال الحد من حرق المخلفات الزراعية أو تكدسها عند معاصر الزيتون، إلى جانب التخلص من مخلفات الكرتون.

ويقول: "وزن الكيس الواحد، بعد زراعة تقاوي الفطر المحاري، أو "البذور"، يبلغ 12 كيلوغرامًا، وبعد مرور أربعة أشهر يصبح وزنه كيلوغرامين كحد أقصى عند انتهاء دورة الإنتاج".
ولا تنتهي دورة استخدام المخلفات عند إنتاج الفطر، إذ يمكن تحويل بقايا الوسط الزراعي بعد انتهاء دورة الإنتاج إلى سماد للتربة، بينما يمكن استخدامه علفًا للحيوانات إذا اقتصرت مكوناته على القش وأوراق الزيتون.
ولا تأتي أهمية تجربة اشتية من فراغ، فالزيتون يشغل المساحة الأكبر بين الأشجار المثمرة المزروعة في فلسطين. ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2021م، تعد المساحة المزروعة بأشجار الزيتون الأكبر بين مساحات البستنة الشجرية في فلسطين، إذ بلغت (575,167) دونمًا، بنسبة (85.0%) من إجمالي المساحة المزروعة، يليه محصول العنب بمساحة (29,119) دونمًا، بنسبة (4.3%)، والبلح بمساحة بلغت (28,944) دونمًا، وبنسبة (4.3%).
وبلغ عدد معاصر الزيتون في فلسطين (302) معصرة عام 2019م، ما يعكس حجم النشاط المرتبط بإنتاج الزيتون، ومن ثم حجم المخلفات الناتجة عنه. ولا توجد إحصائيات متعلقة بكميات مخلفات أوراق الزيتون، بحسب البحث الذي أجريناه خلال إعداد التقرير.
فرصة إنتاجية صديقة للبيئة
تساهم النظم الزراعية والغذائية في الاحترار العالمي، فهي مسؤولة عن إنتاج ثلث إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" عام 2023م.
وتشكل الانبعاثات المباشرة من السماد الطبيعي الحيواني واستخدام النيتروجين في التربة الزراعية المصدر الأكبر لأكسيد النيتروز، وتترك جميعها أثرًا على المناخ.
وتشير إدارة مخلفات الغذاء إلى وجود كميات كبيرة من المواد التي تحتاج إلى المعالجة أو التخلص منها نتيجة الأنشطة الزراعية والغذائية. فعلى سبيل المثال، يُنتَج نحو 57 ألف طن سنويًا من قش القمح في الولايات المتحدة، ونحو (2,881,500) طن سنويًا من تفل الزيتون على الصعيد العالمي.
يُنتَج نحو 57 ألف طن سنويًا من قش القمح في الولايات المتحدة، ونحو (2,881,500) طن سنويًا من تفل الزيتون على الصعيد العالمي.
وبات تغير المناخ يشكل تحديًا كبيرًا للمزارعين للحفاظ على مستويات الإنتاج الزراعي، فيما يسهم استخدام أساليب الزراعة الذكية والمتكيفة مع التغيرات المناخية في ضمان التنمية المستدامة.
أما إعادة استخدام "المخلفات" كمدخلات زراعية أخرى لإنتاج سلع جديدة، فأصبحت تعرف بالاقتصاد الدائري.
ويؤكد اشتية أن مشروع إنتاج الفطر المحاري صديق للبيئة بالدرجة الأولى، مؤكدًا أن المشروع يقلل من البصمة الكربونية على نحو ملموس.
ويوضح أن المخلفات الزراعية عالميًا تسهم في إنتاج انبعاثات من غازات مثل الميثان وثاني أكسيد الكربون، وأن حرق طن من النفايات الزراعية ينتج (0.7) طن من ثاني أكسيد الكربون المكافئ.

ويضيف: "إذا افترضنا أن مزرعة الفطر تستهلك عشرة أطنان سنويًا من المخلفات الزراعية المذكورة، فإن ذلك سيخفض كمية انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بما قيمته 7-10 أطنان سنويًا".
وبحسب إحصاء منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" الصادر عام 2023م، بلغت انبعاثات أنظمة الأغذية الزراعية (16.5) مليار طن من غاز ثاني أكسيد الكربون المكافئ، وهو ما يمثل زيادة بنسبة (21%) مقارنة بعام 2001م.
محصول جديد
وبالنسبة إلى اشتية، لا يقتصر الأمر على استخدام المخلفات، بقدر ما يحمل المشروع قيمة اقتصادية من خلال إنتاج منتج غذائي جديد؛ فكل طن من المخلفات يعطي 250 كيلوغرامًا من الفطر المحاري.
ولا يقتصر الأمر عند ذلك، إذ أخذ اشتية على عاتقه إنتاج تقاوي الفطر، أو "البذور"، التي كانت تستورد إلى جانب التربة من الخارج وبأسعار مكلفة، ناهيك عن العقبات الحدودية التي كانت تواجهه.
ويرى أن تطوير إنتاج التقاوي محليًا شكّل إنجازًا كبيرًا بالنسبة إليه، وخطوة مهمة لتقليل الاعتماد على "إسرائيل" في استيرادها وخفض تكلفة الإنتاج.
وعن طريقة إنتاجها، يشرح اشتية أنها تُزرع في الأكياس المخصصة للزراعة، حيث تتم تنمية التقاوي على وسط معقم، مثل حبوب القمح، داخل بيئة معقمة تمامًا.
وبعد تلقيح الحبوب بالغزل الفطري، تحفظ في ظروف مناسبة من حيث الرطوبة والحرارة، حتى يغطي الغزل الفطري الحبوب بالكامل وتصبح جاهزة للزراعة.
تحديات المشروع
ومن أبرز التحديات التي يواجهها المشروع الظروف المناخية، وارتفاع درجات الحرارة، وعقبة التسويق.
ويوضح اشتية أن عملية إنتاج الفطر تختلف من فصل الصيف إلى الشتاء، إذ يكون الإنتاج في الشتاء أكثر غزارة، ما يرفع العائد المادي، في حين تؤثر درجات الحرارة في كمية الإنتاج.
اشتية: "عملية التسويق تشكل تحديًا لمزرعة الفطر التي أملكها، فثقافة استهلاك الفطر ما زالت محدودة، كما أن نوع الفطر المنتج غير متعارف عليه".
وأثناء تجهيزه طلبية من الفطر المحاري لإرسالها إلى مدينة رام الله، يقول: "عملية التسويق تشكل تحديًا لمزرعة الفطر التي أملكها، فثقافة استهلاك الفطر ما زالت محدودة، كما أن نوع الفطر المنتج غير متعارف عليه مجتمعيًا، رغم احتوائه على قيمة غذائية كبيرة، خاصة من حيث البروتين".
ويتطلع اشتية إلى تجاوز عقبة التسويق من خلال إنتاج "شوربة الفطر"، وهو ما يطمح إليه مستقبلًا في مشروعه، في خطوة يأمل أن تساهم في رفع القيمة الاقتصادية للمشروع وجذب فئة جديدة من المستهلكين.
محصولًا وطنيًا؟
ويؤكد الدكتور منقذ اشتية، مدير المراكز العلمية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، أن إنتاج هذا النوع من الفطر يمكن أن يكون مجديًا اقتصاديًا للمزارع الفلسطيني.
ويشير إلى أن الفطر المتعارف عليه في السوق باسم "عش الغراب" يستورد من "إسرائيل" بتكلفة عالية، وليس من السهل زراعته فلسطينيًا بسبب تكلفة إنتاجه وطبيعة التربة. "فالمزارع الفلسطيني سيواجه مشكلة في كمية الإنتاج إذا استخدم الزراعة المصنعة أو التقليدية باستخدام مواد كيميائية، إذ أن طبيعة تربة بلادنا فقيرة بالمواد العضوية، وتحتاج إلى سنوات لإعادة بنائها وتحسين إنتاجيتها".
ويقول: "الظروف الجيوسياسية التي يعيشها الفلسطينيون تحد من الإقبال على زراعة مثل هذا النوع من الفطر".
ويضيف: "لهذا أرى أن اختيار الفطر المحاري موفق، وطريقة زراعته حلت تحديات وعقبات يواجهها المزارع".
مدير المراكز العلمية بجامعة النجاح: "استخدام مخلفات زراعية أعيد تدويرها يمثل نموذجًا ناجحًا لما يعرف بالاقتصاد الدائري أو الاقتصاد الأخضر".
ويتفق أ.د. منقذ اشتية مدير المراكز العلمية في جامعة النجاح الوطنية، في أن المشروع تجاوز كونه تجربة فردية، فهو نموذج لإعادة إدخال المخلفات في دورة إنتاج جديدة، وبات يشكل عنوانًا مهمًا في الزراعة المستدامة، كأحد الحلول التي يمكن أن تخفف آثارًا بيئية عديدة.
ويعلق بقوله: "عند إنتاج الفطر تصدر انبعاثات لغاز ثاني أكسيد الكربون، وعند إعادة تدوير المخلفات يتم استخدام الشيء نفسه كمخرج ثانٍ، وهذا بحد ذاته يسهم في خفض البصمة الكربونية"، مضيفًا: "كما أن استخدام مخلفات زراعية أعيد تدويرها يمثل نموذجًا ناجحًا لما يعرف بالاقتصاد الدائري أو الاقتصاد الأخضر".
مشروع للتكيف مع المناخ
ومن جانب آخر، يركز القائم بأعمال الإدارة العامة للمشاريع وتغير المناخ، المهندس سامر كلبونة، على قدرة المشروع على دعم التكيف مع تغير المناخ وتعزيز الأمن الغذائي.
ويؤكد كلبونة أن القطاع الزراعي هو المصدر الثاني للانبعاثات الكربونية في فلسطين، موضحًا أن إعادة استخدام المخلفات أو تدويرها كمدخلات لعمليات زراعية أخرى يمكن أن يسهم في تقليل الانبعاثات الغازية، ومن ثم خفض البصمة الكربونية لهذه المخلفات.

ويقول: "المشروع يمكن أن يكون وسيلة من وسائل التكيف، لأن قدرة المجتمع على توفير الغذاء من مصادر محلية تعد إحدى وسائل مواجهة آثار تغير المناخ".
ويتابع: "إن استخدام مواد محلية، وخاصة المخلفات الناتجة عن عمليات زراعية أخرى، يساعد في تقليل الاعتماد على استيراد التربة الخاصة بإنتاج الفطر، وبالتالي رفع مستوى الأمن الغذائي للمواطن الفلسطيني من خلال توفير سلع منخفضة السعر ومصنعة محليًا".
ولا يقتصر الأمر -وفقًا لكلبونة- على إنتاج الفطر، بل يمكن توسيع نطاق إعادة استخدام المخلفات لإنتاج مواد أولية أخرى، مثل الدبال العضوي "الكمبوست" كمخصب للتربة، والغاز الحيوي من خلال عمليات الهضم اللاهوائي للمخلفات.
ويرى أن تعميم هذا النموذج على القطاع الزراعي الفلسطيني يحتاج إلى تشجيع القطاع الخاص على العمل في مجال تدوير المخلفات، وتشجيع المزارعين على استخدام الدبال العضوي المنتج محليًا، مشددًا على أهمية استثمار طاقات الشباب، وخاصة طلبة الجامعات، لتعزيز البحث العلمي ونقل التكنولوجيا الخاصة بالتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، إلى جانب بناء القدرات المحلية في هذا المجال.
** هذا المشروع أنتج في إطار النسخة الثانية من دبلوم صحافة المناخ، الذي تنظمه مدرسة المناخ بدعم من مجتمع التحقق العربي.
























