شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 20 سبتمبر 2026م13:29 بتوقيت القدس

بدل الجهاز.. سلكٌ جراحي يقود عملية فتح جمجمة بغزة!

20 سبتمبر 2026 - 12:07

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في غرفة العمليات، داخل مستشفى الشفاء بغزة، احتاج الجرّاح رامي السوسي إلى الوصول عبر عظم الجمجمة لإتمام التدخل الجراحي، لكن الجهاز الكهربائي المخصص لفتحها لم يكن متاحًا.

أمام هذا النقص، استعان اختصاصي جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري، بمثقاب يدوي وسلك جراحي رفيع، وبدأ بتنفيذ إحدى أدق مراحل العملية بيديه.

أحدث السوسي عدة ثقوب في عظم الجمجمة، ثم مرّر السلك الجراحي بين ثقبين، وبدأ يسحبه بيديه ذهابًا وإيابًا، حتى أخذ العظم ينفصل تدريجيًا. وبعد اكتمال القطع بين الثقبين، انتقل إلى الجزء التالي وكرر الخطوة، إلى أن تمكن من فصل الجزء المطلوب من الجمجمة واستكمال التدخل الجراحي.

بدأت الحكاية، عندما وصل المريض إلى غرفة العمليات بإصابة شديدة في مقدمة الرأس والمنطقة الواقعة بين العينين؛ إذ اخترقت شظية معدنية جمجمته، وتسببت بكسور متهتكة في العظام ونزيف في الدماغ، مع خروج جزء من أنسجته إلى الخارج، إلى جانب إصابة في تجويف العين وتهتك في جداره وكسور في عظام الأنف.

في غزة، أعاد شح المعدات، وتضرر جزء من معدات جراحة الأعصاب خلال الإبادة، الأطباء، إلى تقنيات يدوية قديمة.

وخلال العملية، كان الوصول عبر عظم الجمجمة أحد التحديات التي واجهها الفريق في ظل غياب الجهاز الكهربائي المستخدم عادة لهذه المهمة، إذ عادةً، في غرف العمليات المجهزة، تتولى هذه المهمة أجهزة كهربائية مخصصة تختصر زمن قطع العظم وتخفف الجهد الواقع على الجرّاح، أما في غزة، فقد أعاد شح المعدات، وتضرر جزء من معدات جراحة الأعصاب خلال الإبادة، السوسي، إلى تقنية يدوية قديمة، ظل السلك الجراحي فيها يؤدي المهمة التي تولتها لاحقًا الأجهزة الحديثة.

ويقول السوسي: "إن الفارق الأساسي بين هذه الطريقة والجهاز الكهربائي يظهر في الوقت والجهد، فالجهاز ينجز عملية القطع بسرعة أكبر، بينما تحتاج الوسيلة اليدوية إلى حركة متكررة وجهد عضلي متواصل من الجرّاح". ويقول: "الجهاز الكهربائي سريع جدًا وأكثر أمانًا، ويوفر وقتًا ومجهودًا عضليًا كبيرًا على الجرّاح".

وتزداد حساسية هذه المرحلة بسبب موضع العمل، فأسفل عظم الجمجمة توجد الأغشية المحيطة بالدماغ وأنسجته وأوعيته الدموية، ما يتطلب تحكمًا مستمرًا بحركة السلك أثناء قطع العظم.

بالنسبة إلى السوسي، لم يكن التحدي في معرفة ما ينبغي فعله جراحيًا، وإنما في تنفيذ الخطوة نفسها بأداة تحتاج إلى وقت ومجهود أكبر، في ظروف تتوالى فيها الإصابات والعمليات.

قبل الحرب، كان قسم جراحة المخ والأعصاب في مستشفى الشفاء يعمل بمجموعة أوسع من الكوادر والتجهيزات، لكن الحصار والاقتحامات وتضرر المستشفى أفقدت القسم جزءًا من أدواته وأجهزته، وفق السوسي.

ويقول إن 15 طبيبًا كانوا يعملون في قسمي جراحة المخ والأعصاب في مستشفى الشفاء، قبل أن يتفرق الفريق مع الحصار والنزوح وتعطل المستشفيات.

يقول السوسي: "كل قرارات العمليات خلال فترة الحصار كانت صعبة. لم تكن لدينا الأدوات الجراحية المناسبة، وعدنا للعمل بمعدات وتقنيات قديمة جدًا".

وخلال إحدى مراحل الحرب، بقي السوسي اختصاصي جراحة الأعصاب المتاح في مدينة غزة، وانتقل بعد خروج مستشفى الشفاء عن الخدمة للعمل في المستشفى الأهلي العربي "المعمداني"، حيث تابع إصابات الرأس والعمود الفقري وأجرى التدخلات العاجلة بما توفر من إمكانات.

وعندما عاد إلى الشفاء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منه، وجد غرف العمليات متضررة، وأجزاء من المعدات والأدوات تحت الركام. ويقول إنه شارك عاملين في البحث بين بقايا القسم، واستخراج ما يمكن إصلاحه وإعادته إلى العمل.

مع وصول بعض المعدات والمستلزمات الطبية لاحقًا، تحسنت قدرة الفريق على إجراء تدخلات كانت شديدة الصعوبة خلال فترات الحصار.

وخلال تلك الفترة، أجرى عمليات لتفريغ النزيف الدماغي، ورفع الكسور الهابطة، وترميم إصابات الدماغ، إلى جانب عمليات في العمود الفقري.

ومع وصول بعض المعدات والمستلزمات الطبية لاحقًا، تحسنت قدرة الفريق على إجراء تدخلات كانت شديدة الصعوبة خلال فترات الحصار، فيما بقيت العملية التي استخدم فيها السلك مثالًا على الوسائل التي اضطر إليها جرّاحو الأعصاب حين غابت الأجهزة.

داخل غرفة العمليات، لم يكن السلك يؤدي مهمة جديدة في تاريخ الجراحة، بل أعاد طريقة قديمة إلى الاستخدام. وفي حالة هذا المريض، تمكنت يدا الجرّاح من أداء المهمة التي كان من المفترض أن يتولاها الجهاز، لتُستكمل العملية بنجاح.

كاريكاتـــــير