قطاع غزة:
لم تكن سوى عبوة بلاستيكية صغيرة شفافة، بلا اسم شركة، ولا تاريخ صلاحية، ولا أي بيانات تعريفية، الكلمة الوحيدة المكتوبة على غطائها كانت "واقي شمس"، لكن بالنسبة لهدى النجار، كانت تلك العبوة التي ظنت أنها وسيلة لحماية بشرتها، بداية رحلة علاج طويلة.
تستعيد هدى (26 عامًا) من مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تفاصيل ما تصفه بـ"الخدعة المكلفة"، بعدما اشترت واقي شمس من متجر إلكتروني مجهول المصدر، مدفوعة بارتفاع أسعار المنتجات الأصلية وشحها في أسواق غزة، لتكتشف لاحقًا أنها دفعت ثمنًا يفوق بكثير ما حاولت توفيره.
في التفاصيل، تقول إنها بسبب الغلاء وصعوبة الحصول على المنتجات الأصلية، طلبت واقي الشمس من إعلان على وسائل التواصل الاجتماعي، وعندما وصل، كان معبأ داخل علبة بلاستيكية شفافة من دون بطاقة تعريفية أو أي معلومات عن المنتج.
وتضيف: "لم يكن لدي خيار آخر سوى استخدامه، لم تستغرق النتائج وقتًا طويلًا، وبعد يومين فقط بدأت بشرتي تتحسس وتحمر، ثم أصابها جفاف شديد وتقشير، وظهرت تصبغات وندوب داكنة لم أكن أعاني منها من قبل".
تأخرت هدى في مراجعة الطبيب بسبب الظروف المعيشية، لكن حالتها ازدادت سوءًا، لتبدأ رحلة علاج وصفتها بأنها "مرهقة ومكلفة"، في وقت أصبحت فيه تكلفة الأدوية تنافس احتياجات أسرتها الأساسية.
وتزيد: "أصبحت مضطرة للموازنة بين مصروف البيت وثمن العلاج، وكل ما حاولت توفيره عند شراء المنتج خسرته أضعافًا في العلاج".
ولا تختلف معاناة ملك فرحان (22 عامًا)، النازحة في إحدى خيام مواصي خان يونس، كثيرًا، فمع ارتفاع الأسعار، لم تعد قادرة على شراء عبوة كاملة من واقي الشمس، واضطرت إلى شراء كمية صغيرة من عبوة أصلية، في محاولة لحماية بشرتها من حرارة الخيام اللاهبة.
وتوضح: "الحياة داخل الخيام تدمر البشرة. لا شيء يحمينا من الشمس أو الرطوبة، والاهتمام بأنفسنا في هذه الظروف أصبح أمرًا بالغ الصعوبة".
في الوضع الطبيعي أن واقي الشمس جزءًا أساسيًا من يوميات النساء عمومًا، تحديدًا للنساء بغزة لكن قبل الحرب، أما اليوم فأصبح منتجًا يصعب الوصول إليه.
تشير ملك إلى أن السعر تضاعف أكثر من مرة، وحتى إذا تمكنت من شرائه، فإنها تحتاج إلى عبوة جديدة كل أسبوع بسبب التعرض المستمر للشمس، فيما تحاول توفير جزء من مصروفها لشراء عينات صغيرة، لكنها أيضًا أصبحت باهظة الثمن.
ولا تقتصر الأزمة على المستهلكات فقط، بل تمتد إلى أصحاب متاجر مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، الذين يواجهون تحديات مضاعفة تبدأ من إدخال البضائع ولا تنتهي عند تلفها.
يقول حسن المجايدة، صاحب متجر للمنتجات النسائية، إن أسعار هذه المنتجات ارتفعت بنحو 70% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، مرجعًا ذلك إلى ارتفاع تكاليف التنسيق التجاري وصعوبة إدخال البضائع إلى قطاع غزة.
ويضيف: "حتى عندما ننجح في إدخالها، تواجه الشحنات السرقة أو الإهمال، وتُترك لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تلف جزء منها أو وصولها غير صالحة للاستخدام، وهو ما يسبب خسائر مالية كبيرة".
ويشير إلى أن الطلب المتزايد على واقيات الشمس والمرطبات، مقابل الشح الحاد في الأسواق، يواصل دفع الأسعار إلى الارتفاع، فضلًا عن تكاليف التخزين والإيجارات، والحاجة إلى حفظ هذه المنتجات في ظروف مناسبة، لأن سوء التخزين يؤدي إلى تفكك مكوناتها وفقدان فعاليتها.
من جانبه، يحذر اختصاصي الأمراض الجلدية الدكتور عامر المصري من استخدام مستحضرات مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية، مؤكدًا أنها قد تسبب حروقًا جلدية والتهابات شديدة، وتحوّل المنتج المفترض أن يحمي البشرة إلى مصدر مباشر لإيذائها.
ويتابع أن التعرض المستمر لأشعة الشمس والغبار، في ظل العيش داخل الخيام وغياب وسائل النقل، يزيد من احتمالات الإصابة بالمشكلات الجلدية، إذ تضطر كثير من النساء والفتيات إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام تحت أشعة الشمس، بينما تمنعهن الأسعار المرتفعة من شراء مستحضرات الوقاية.
ويؤكد أن واقي الشمس لم يعد منتجًا تجميليًا أو نوعًا من الرفاهية، بل وسيلة أساسية لحماية الجلد، خاصة خلال فصل الصيف، داعيًا إلى شراء المنتجات من مصادر موثوقة، واستشارة طبيب مختص عند ظهور أي أعراض غير طبيعية، إلى جانب الإكثار من شرب المياه وارتداء القبعات لتقليل التعرض المباشر للشمس.
























