شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026م02:45 بتوقيت القدس

ثمانيني أخذت الحرب أبناءه.. فصار أبًا لـ21 حفيدًا

12 يوليو 2026 - 17:35

قطاع غزة:

كلما جلس خليل سالم (85 عامًا)، المعروف بـ"أبو أكرم"، فوق ركام منزله في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، بدا وكأنه يحرس منزلًا إلا أنه لم يعد موجودًا. يضع عكازه إلى جواره، ويطيل النظر إلى المكان الذي كان قبل الحرب يعج بأصوات الأبناء والأحفاد، بينما لم يبق اليوم سوى الحزن.

لم تخطف الحرب منزله فقط، بل أخذت زوجته، وثلاثة من أبنائه الأربعة، واثنتين من زوجات أبنائه، وعددًا من أحفاده وأقاربه، وفي المقابل، تركت بين يديه 21 حفيدًا أصبحوا، دفعة واحدة، مسؤوليته الوحيدة.

يقول أبو أكرم إن أثقل ما حمله ليس عمره، بل أسماء من رحلوا، ووجوه الأطفال الذين يسألون عن آبائهم كل يوم وقد حصدت أرواحهم مجزرة قلبت حياة الناجين منهم رأسًا على عقب.

الاحتلال الإسرائيلي ارتكب أكثر من 12 ألف مجزرة ضد الفلسطينيين، وإن نحو 2700 عائلة مُحيت بالكامل من السجل المدني

يستعيد الرجل الثمانيني صباح الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023، وكأنه لم يغادره قط، فعند الساعة السادسة صباحًا، قصفت قوات الاحتلال المربع السكني كاملًا دون أي إنذار، خلال دقائق دمّرت أربعة منازل تعود له ولإخوته، واستشهد نحو 80 فردًا من عائلته الممتدة، بينهم 12 من أسرته المباشرة.

نجا خليل من تحت الأنقاض، لكنه خرج مصابًا في الرأس والرقبة، ولا تزال إصابة غضاريف الرقبة ترافقه حتى اليوم، فلا يستطيع الوقوف إلا مستندًا إلى عكازه، لكن الإصابة لم تكن أثقل ما خرج به من المجزرة.

يتحدث: "بعد الدفن، لم يكن لدي وقت لأحزن. الأطفال الذين فقدوا آباءهم كانوا بحاجة إلى من يحتضنهم، فوجدت نفسي أعود، وأنا في الخامسة والثمانين، لأبدأ من جديد دور الأب".

في صباح كل يوم منذ قتلت إسرائيل آباء الأطفال وأمهاتهم، يبدأ الجد يومه بأحفاده يتابع طعامهم، ويحاول تأمين احتياجاتهم، ويسأل عن دراستهم، ويقسم وقته بينهم جميعًا، بينما يطارده سؤال واحد "أصعب اللحظات حين يسألني أحدهم: أين أبي؟ أين أمي؟ عندها أشعر أن هناك أسئلة لا تستطيع الكلمات أن تجيب عنها".

ويضيف: "هؤلاء الأطفال أمانة في عنقي. ما دام فيّ نفس، سأبقى إلى جانبهم، أحاول أن أعوضهم، ولو بالقليل، عن كل ما فقدوه".

ورغم الخراب، يحرص بين الحين والآخر على العودة إلى موقع منزله المدمر، يجلس لساعات فوق الركام، لا بحثًا عن شيء بقي تحت الأنقاض، بل وفاءً لمن رحلوا، مشيرًا: "البيت قد يهدم، لكن أهله لا يغيبون. كل حجر هنا يعرف أسماءهم".

ووفق الجد، يخبرنا أيضًا، صحيح أنه فقد أبنائه وببيته وبيوت إخوته، لكنه يحاول قدر الإمكان ألا يخسر حقه في أرضه، وقد يهدم الاحتلال الحجر، لكنه لن يهدم إرادة الفلسطينيين -وفق الرجل-.

يقول حفيده محمود (15 عامًا) إن جده منذ حرب الإبادة الإسرائيلية تكبّد عناء النزوح والفقد وهدم المنزل، وأخيرًا مسؤوليتهم كأحفاد، صار يستيقظ قبل الجميع ويعد الطعام لهم، كما يتابعهم واحدًا واحدًا، فيما يحاول أن يخفي تعبه حتى لا يشعرون بضعفه.

ويضيف: "جدي يقسم وقته بين 21 حفيدًا، وكأنه يقسم قلبه بيننا جميعًا. لا ينسى أحدًا، ولا يشتكي رغم كل ما يحمله"، وحين يجلس أبو أكرم في المساء، يلاحظ محمود أن التعب يظهر في عينيه مهما حاول إخفائه بكلماته.

يزيد الفتى: "أعرف أنه متعب، لكنه يتمسك بالقوة من أجلنا. نحن لسنا أحفاده فقط، بل أصبحنا السبب الذي يدفعه إلى مواصلة الحياة".

الإبادة الإسرائيلية خلفت نحو 73 ألف شهيد وحوالي 173 ألف جريح فلسطيني

وبحسب إحصائية للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة الدكتور إسماعيل الثوابتة، فإن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب أكثر من 12 ألف مجزرة ضد الفلسطينيين، وإن نحو 2700 عائلة مُحيت بالكامل من السجل المدني الفلسطيني منذ بداية الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ومن الجدير ذكره، فإن الإبادة الإسرائيلية خلفت نحو 73 ألف شهيد وحوالي 173 ألف جريح فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى دمار طال نحو 90% من البنى التحتية في القطاع.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تواصل إسرائيل سياسات الإبادة عبر تقييد إدخال المساعدات الإنسانية واستمرار القصف اليومي، الذي أسفر حتى الآن عن استشهاد أكثر من ألف فلسطيني وإصابة 3329 آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير