قطاع غزة:
"لا أستطيع نسيان مشهد ابني والكلاب تنهش جسده وهو مصاب، وأنا عاجزة عن إنقاذه".. بهذه الكلمات تستعيد ريهام عياد (29 عامًا)، أم لأربعة أطفال، أكثر لحظات حياتها قسوة تحت نيران الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
تروي كيف بقي طفلها سمير (10 أعوام) ينزف أمام عينيها، فيما كانت عاجزة عن الوصول إليه، حتى شاهدت الكلاب تنهش جسده، يوم التاسع من يوليو/تموز 2024.
قبل ذلك بأسابيع من الحدث، نزحت ريهام مع زوجها رفعت وأطفالهما من حي التفاح شرق مدينة غزة إلى منطقة الصناعة غرب المدينة، تحت ضغط أوامر الإخلاء التي أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبعد عشرة أيام فقط، تحولت المنطقة التي لجأوا إليها إلى ساحة قتال، فحوصرت الأسرة داخل منزل متضرر يعود لأقاربها، حيث أمضت خمسة أيام بلا كهرباء أو اتصالات، وبمياه ملوثة وقليل من الطعام.
تقول: "كنا نعيش ساعة بساعة، لا نعرف إن كنا سنبقى أحياء حتى اليوم التالي، وكنا نخفي خوفنا حتى لا يشعر أطفالنا بأن الموت يحيط بنا".
في صباح التاسع من يوليو، قررت الأسرة إرسال بطارية الإنارة إلى أحد الجيران لشحنها، فتطوع سمير، وقبل خروجه قال لوالدته: "أمي، أنا خائف هذه المرة"، فطلبت منه أن يعود سريعًا، لكنها لم تكن تعلم أن تلك ستكون آخر مرة تسمع فيها صوته.
بعد دقائق، استهدف انفجار المنزل المجاور، فأصيب سمير، بينما استشهد ابن عمه أسامة (12 عامًا)، وهو الابن الوحيد لوالديه بعد عشرين عامًا من الانتظار.
فرضت طائرات "الكواد كابتر" حصارًا على المكان، وأطلقت النار على كل من حاول الاقتراب، ما حال دون وصول الإسعاف أو السكان إلى الطفلين.
تخبرنا ريهام أنها كانت تشاهده من فتحة في الجدار يتحرك وينتظر من ينقذه، بينما كانت عاجزة عن الوصول إليه، ظل ينزف ثلاث ساعات كاملة، وكل من حاول إنقاذه كان معرضًا لإطلاق النار.
لكن المشهد الذي لا يغادر ذاكرتها بدأ عندما اقتربت الكلاب من جسده، وتتحدث هنا: "أخذت أرمي عليها الأكواب وقطع الخشب وكل ما وجدته حتى تبتعد عنه، لكنها كانت تعود في كل مرة. ثم شاهدتها تجر جسده بعيدًا، وتنهش جسده وجسد ابن عمه، وأنا عاجزة عن إنقاذه. لا يوجد وجع أكبر من أن ترى الأم ابنها بهذه الصورة".
ولم تتمكن الأسرة من استعادة جثمان سمير إلا بعد نحو عشرة أيام، كان جسده يحمل آثار نهش الكلاب، فلفه والده بقطعة قماش بيضاء كان الطفل قد أحضرها معه عند النزوح، ظنًا منه أنه سيرفعها إذا اضطروا للنزوح مجددًا، لتدل على أنهم مدنيون.
وفي اليوم نفسه، اضطرت العائلة إلى مغادرة المنطقة مع تصاعد القصف، بينما بقي شقيقه الأصغر أمير يحمل في ذاكرته ما رآه بعينيه.
توضح والدته: "أمير لم يعد كما كان. أصبح صامتًا، ويرفض الذهاب إلى المدرسة، ويبتعد عن الأطفال. أشعر أن الحرب لم تقتل أخاه فقط، بل سرقت طفولته أيضًا".
أما ريهام، فما زالت تعيش آثار الصدمة النفسية، وتؤكد: "أنا أيضًا لم أعد كما كنت. أنسى كثيرًا، وأبكي دون أن أشعر، وأحيانًا أفقد القدرة على التركيز. كلما سمعت اسم سمير يعود إليّ المشهد كاملًا، وكأنه يحدث من جديد".
ومع دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2025، اعتقدت أن الحرب انتهت، فحملت بطفلتها جودي أملًا في بداية جديدة، لكن تجدد الحرب في مارس/آذار دفع الأسرة إلى نزوح جديد.
وخلال حملها، عانت المجاعة وسوء التغذية، وانقطعت عن المتابعة الطبية، وفي أغسطس/آب 2025، وهي في شهرها السادس، اضطرت إلى السير على قدميها من شمال قطاع غزة إلى خان يونس جنوبي القطاع بعد انعدام وسائل النقل، قبل أن تستقر الأسرة في دير البلح، حيث وضعت طفلتها في مستشفى العودة يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وسط نقص حاد في الرعاية الطبية.
وعندما عادت إلى مدينة غزة بعد الهدنة، لم تجد مكانًا تنصب فيه خيمتها، فاستقرت مع أسرتها قرب مكب للنفايات، فيما تختصر ريهام سنوات الحرب بقولها: "أحاول أن أبدو قوية، لكنني ما زلت أعيش ذلك اليوم بكل تفاصيله. لا يمر يوم من دون أن أتذكر ما حدث، ولا أغفو إلا ويعود المشهد إلى ذاكرتي".
تحتضن قميص سمير كلما اشاقت إليه، وكل ما تتمناه أن تعيش ما تبقى من عمرها بلا خوف، وأن تنام ليلة واحدة من دون أن يوقظها ذلك المشهد، غير أن سؤالًا واحدًا ما زال يلاحقها كل ليلة: كيف يمكن لأمٍ رأت ابنها يُترك حتى الموت أن تتعلم النسيان؟
























