بدت قطعة "الجل الأزرق" الصغيرة كأنها حلوى ملقاة بين خيام النازحين، فالتقطها الطفل جاسر الحية (6 أعوام) دون أن يدرك أنها ستنهي حياته بعد ساعات قليلة. لم تكن المأساة مجرد حادثة فردية، بل فتحت تساؤلات حول إجراءات السلامة في حملات مكافحة القوارض داخل مخيمات النزوح، بعدما تحولت مادة سامة إلى خطر يهدد حياة الأطفال.
منذ ذلك اليوم، تؤكد عائلته أن الجهة التي نفذت حملة لمكافحة القوارض داخل المخيم لم تتواصل معها أو تعترف بمسؤوليتها، رغم تأكيد عدد من السكان العثور على قطع مماثلة بين الخيام بعد وفاة الطفل.
تروي والدته لـ"نوى" أن جاسر كان يلعب مع أشقائه بعد صلاة العصر، ويرقص على أنشودة طلب من خالته تشغيلها، قبل أن يخرج من الخيمة إثر ضجة سمعها في الخارج. وبعد دقائق، أُبلغت بأنه سقط أرضًا.
ويقول والده إنه كان يعمل في بسطته عندما أُحضر إليه الطفل فاقدًا للوعي، مضيفًا: "وصل إليّ ووجهه أزرق اللون، ثم سقط بين ذراعيّ وتوقف قلبه".
نُقل جاسر إلى مستشفى العودة، حيث لم يتمكن الأطباء في البداية من تحديد سبب تدهور حالته. وأثناء محاولات إنقاذه، رجّح أحد الجيران أنه ابتلع قطعة من السم الذي وُضع في المخيم لمكافحة القوارض. وبعد غسل معدته استعاد وعيه لدقائق، قبل أن تتدهور حالته مجددًا، ليُنقل إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث فارق الحياة في قسم العناية المركزة.
وفي اليوم التالي، نُقل جثمانه إلى مستشفى الشفاء لإجراء التشريح، الذي كشف، بحسب والدته، عن وجود قطعة من الجل السام داخل معدته، مؤكدة أن ابتلاعها كان سبب الوفاة.
ويؤكد والد جاسر أن سكان المخيم لم يكونوا على علم بوجود طعوم سامة بين الخيام، رغم معرفتهم بتنفيذ حملة لمكافحة القوارض. ويقول: "لو أُبلغنا بوجودها لما تركنا أطفالنا يلعبون في المكان".

ويضيف أن قطع السم لم تكن مدفونة أو مخفية، بل كانت في متناول الأطفال، مشيرًا إلى أن الأهالي لم يكتشفوا وجودها إلا بعد وفاة جاسر، حين بدأوا بجمعها والتخلص منها خشية وقوع ضحايا آخرين.
أما والدته فتقول إنها لم ترَ تلك المادة من قبل، ولم تعرف بوجودها إلا بعد وفاة ابنها، مطالبة الجهات المسؤولة باتخاذ إجراءات توعوية واضحة قبل تنفيذ حملات مكافحة القوارض، حتى لا تتكرر المأساة مع أطفال آخرين.
داخل الخيمة، لا تزال آثار جاسر حاضرة في كل زاوية. تحتفظ والدته بآخر قميص ارتداه، وتفتح حقيبته المدرسية بين الحين والآخر، متأملة دفاتره التي بقيت كما تركها. وتقول: "أحب أولادي جميعًا، لكن جاسر كان مختلفًا، وكان الأقرب إلى قلبي".
ولا يقتصر أثر الفقد على والديه، إذ يعيش أشقاؤه صدمة غيابه. فالابن الأكبر يستيقظ ليلًا باكيًا وهو ينادي شقيقه، بينما يطلب شقيقه الأصغر، مصطفى، رؤية جاسر باستمرار، حتى إنه حمل يومًا سيارة لعبة صغيرة ووضعها على قبره "ليتركها له"، كما أخبر والدته.
وتضيف الأم: "أنا خسرت ابني، ولا أريد لأي أم أو أب أن يمر بما مررنا به. أتمنى أن تسبق حملات مكافحة القوارض حملات توعية في المخيمات والمدارس ورياض الأطفال، لأن هذا السم يشبه حلوى الأطفال".
ولا تبدو مأساة جاسر حادثة معزولة، ففي ظل تراكم النفايات ودمار شبكات الصرف الصحي والاكتظاظ داخل مخيمات النزوح، أصبحت القوارض والآفات جزءًا من الحياة اليومية، ما يدفع الجهات الإنسانية إلى تنفيذ حملات مكافحة بشكل متكرر.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، سُجل انتشار للقوارض والآفات في نحو 80% من مواقع النزوح التي جرى تقييمها في قطاع غزة، في وقت تعاني فيه المخيمات من انهيار خدمات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات.
لكن بالنسبة لعائلة جاسر، ما تزال الأسئلة معلقة: كيف وصلت مادة سامة تشبه حلوى الأطفال إلى مكان يعج بالصغار؟ ولماذا لم تُسبق حملات المكافحة بتحذيرات واضحة للأهالي؟
وبينما تبقى هذه الأسئلة بلا إجابة، ما تزال حقيبة جاسر في زاوية الخيمة، ودفاتره كما تركها، فيما تحتفظ والدته بقميصه الصغير وتستعيد رائحته كلما اشتد الحنين، بعدما رحل طفل لم يعرف من طفولته سوى النزوح والخيام.
























