شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 08 يونيو 2026م05:33 بتوقيت القدس

"طفولة مؤجلة.. لميس ترتدي ثوب الأمومة قبل أوانها في غزة

02 يونيو 2026 - 11:34

شبكة نوى، فلسطينيات: داخل خيمة مهترئة لا تقي برد الليل ولا حرّ النهار، في أحد مخيمات النازحين بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تنهض لميس الكحلوت 17 عام، قبل أن يصحو إخوتها، ترتّب أغطيتهم وتمسح الغبار عن الأواني القليلة، وتتحرك بصمت كأنها تخشى أن يستيقظوا على واقعهم مبكرًا، تجيب عن طلباتهم الصغيرة بهدوء من يؤدي دورًا اعتاده منذ سنوات، لكن خلف تلك الملامح المتعبة طفولةٌ سرقتها الحرب قبل أوانها.

منذ أن سافر والداها للعلاج في مصر مع اندلاع الحرب، وجدت لميس نفسها وحيدة في مواجهة مسؤولية لم تختَرها: أن تكون أمًّا وأبًا في آنٍ واحد لشقيقيها سجى ذات الأربعة عشر عامًا، ومحمد ذي الأحد عشر:" لم أكن أتوقع أن تقع كل هذه المسؤولية على عاتقي" تقول باستسلام، وتضيف: "في البداية كانت صعبة جدًا، ولم أكن أعرف ماذا أفعل، لكن بعدها بدأت أعتاد".

لم يكن النزوح حدثًا واحدًا في حياة لميس، بل رحلة متكررة لا تنتهي؛ نزحت مع إخوتها أكثر من عشر مرات، تنقّلوا فيها بين المستشفيات والمدارس وخيام النزوح بحثًا عمّا يشبه الأمان، وفي كل محطة، كانت لميس تحمل أكثر مما تحتمل، تحاول أن تُخفف عن إخوتها وهي بحاجو لمن يخفف عنها.

وفي أشد فصول المجاعة قسوة، كانت تقف عاجزة أمام جوع أشقائها:"كان إخوتي يطلبون مني الطعام ولم يكن لدينا شيء"، تقول، وتتوقف لحظة تحاول فيها أن تحبس دموعها، ثم تُكمل بصوت أجش: "محمد كان يبكي من الجوع، وأنا لم أكن أعرف كيف أتصرف". وحين يهدأ الليل وينام الجميع كنت أجلس لوحدي، ولا أفعل شيئًا سوى البكاء والدعاء".

لم تكن الجراح كلها من الجوع والنزوح؛ ففي نهاية عام 2023، وبينما كانت لميس وإخوتها يمكثون في منزل جدهم بمخيم جباليا شمال غزة، اهتزت الأرض تحتهم وانهار السقف. خرجوا من تحت الركام، لكن شقيقتها ملك ذات الأربعة عشر عامًا لم تخرج معهم، استُشهدت إلى جانب جدّهم وإحدى قريباتهم، كل ذلك في غياب الوالدين اللذين كانا خارج غزة. "حتى اليوم ما زلت غير قادرة على تقبّل استشهاد أختي" تقول بصوت يكاد لا يُسمع.

مع الفجر تبدأ لميس يومها: ترتيب الخيمة، وتجهيز ملابس الأطفال، وإعداد الفطور، وغسل الأواني والملابس ونشرها، وفي منتصف النهار يأتي دور محمد الذي يتولى مهمة جلب المياه، يحمل يوميًا نحو خمس قِرب سعة كل منها عشرة لترات " تؤلمني يداي من الحمل دائمًا، لكنني أفعل ذلك لمساعدة أختي" يقول الطفل بصوت طفولي، وتسعى سجى بدورها إلى المشاركة بما تستطيع: "بعرف إنو لميس بتتعب كثير، عشان هيك بحب أساعدها وأخفف عنها".

رغم كل ذلك، لم تتخلَّ لميس عن حلمها؛ فهي تدرس حاليًا في مرحلة الثانوية العامة بعد انقطاع قسري دام عامين، لكن الدراسة لا تسير بسهولة؛ فيومها يُبتلع بالمسؤوليات، ويطلب منها المعلمون الإلمام بمعلومات أساسية من سنوات دراسية أضاعتها الحرب:" أحيانًا أنجح في توفير بعض الوقت للدراسة" تقول.

وعلى امتداد هذه الرحلة الطويلة، ظل الانقطاع عن الوالدين جرحًا مفتوحًا؛ إذ مرّت أسابيع وأشهر دون أن يعرف الوالدان أين أطفالهم بالضبط، وكيف يعيشون، ودون أن تتمكن لميس من الاطمئنان عليهما. "أشتاق لأبي وأمي كثيرًا، وأتمنى أن أرتمي في حضنهم اليوم قبل الغد".

كل ما تتمناه لميس واشقائها أن يتحقق حلمهم بالسفر إلى  والديهم سيما أن العائلة تحمل الجنسية المصرية،  تريد فقط أن تُعيد شيئًا مما سرقته الحرب، دفء العائلة، وحضن الأب الذي طال انتظاره.

كاريكاتـــــير