شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 09 يوليو 2026م15:06 بتوقيت القدس

بطل الميداليات الذي خذله "الانتظار"

محمد أبو العوف يصارع العجز والقوارض في خيمة "الموت البطيء".

09 يوليو 2026 - 13:45

لم تكن الميداليتان اللتان حققهما محمد أبو العوف في رياضة كمال الأجسام أكثر ما خسره خلال الحرب، بل فقدانه القدرة على الوقوف. فبعد إصابته بشظايا استقرت في نخاعه الشوكي، تحول المدرب الرياضي الذي اعتاد تدريب الآخرين على بناء أجسادهم إلى مصاب يزحف داخل خيمة نزوح، بانتظار تحويلة طبية قد تمنحه فرصة للعلاج.

يروي أبو العوف لـ"نوى" تفاصيل الإصابة التي قلبت حياته، قائلاً: "أُصبت بعد الهدنة عندما سقط صاروخ بالقرب منا. اخترقت الشظايا ظهري، واستقرت إحداها في النخاع الشوكي. قال لي الأطباء إن إصابتي معقدة، ولا يتوفر علاج لها في غزة".

ومنذ ذلك اليوم، يعيش محمد نوبات ألم متكررة لا تفارقه، فيما فقد الإحساس بقدميه تدريجيًا، وأصبح غير قادر على الحركة إلا بالزحف. ويقول: "حين تشتد نوبات الألم أشعر وكأن عظام حوضي وساقي تحترق. لم أعد أشعر بقدمي، وكل يوم يمر دون جراحة يزيد حالتي سوءًا".

لم تتوقف معاناة محمد عند الإصابة، بل ازدادت قسوة مع النزوح. فإقامته داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة تجعل حالته الصحية أكثر تعقيدًا، إذ تؤدي الرطوبة وارتفاع درجات الحرارة إلى تفاقم التقرحات الجلدية التي يعاني منها، بينما يجد نفسه عاجزًا عن حماية جسده من القوارض والحشرات التي تتسلل إلى الخيمة ليلًا.

ويقول: "العيش في الخيمة بالنسبة لمصاب في العمود الفقري أشبه بحكم بالإعدام. لا أستطيع الحركة أو الدفاع عن نفسي عندما تقترب القوارض والحشرات مني".

ولا يقتصر أثر الإصابة على محمد وحده، بل يمتد إلى أسرته. فالرجل الذي كان يعيل أطفاله أصبح عاجزًا عن رعايتهم أو توفير احتياجاتهم الأساسية، فيما يشاهد أطفاله والدهم يزحف لقضاء أبسط احتياجاته اليومية دون أن يتمكنوا من مساعدته. ويضيف: "كنت المعيل لأسرتي، أما اليوم فأنا بحاجة إلى من يساعدني في أبسط تفاصيل حياتي".

من جانبه، يؤكد الناطق باسم وزارة الصحة، الدكتور خليل الدقران، أن حالات إصابات العمود الفقري والنخاع الشوكي، ومنها حالة محمد أبو العوف، تتطلب تدخلات جراحية دقيقة ومراكز متخصصة لم تعد متوفرة في قطاع غزة، في ظل الدمار الذي لحق بالمنظومة الصحية.

ويقول لـ"نوى" إن القيود المفروضة على الإجلاء الطبي تحرم آلاف المرضى من فرص العلاج، موضحًا أنه منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار لم يُسمح إلا بخروج 1082 مريضًا ومصابًا، بينما لا يزال نحو 17 ألفًا على قوائم الانتظار.

ويضيف أن نحو 500 مريض بحاجة إلى إجلاء فوري لإنقاذ حياتهم، إلى جانب قرابة ألفي مريض آخرين يحتاجون إلى العلاج خلال فترة لا تتجاوز شهرًا، محذرًا من أن التأخير قد يفقد كثيرين فرصة التعافي، في ظل عجز مستشفيات القطاع عن إجراء جراحات الأعصاب الدقيقة بسبب نقص الكوادر والتجهيزات.

لا يطلب محمد الكثير. كل ما يتمناه كرسي متحرك يخفف معاناته، وفرشة طبية تحميه من التقرحات، وتحويلة طبية تتيح له إجراء الجراحة التي يحتاجها.

وبينما يواصل انتظار دوره على قوائم الإجلاء، يقضي أيامه داخل خيمة لا تقيه الحر أو الرطوبة أو القوارض، متمسكًا بأمل وحيد؛ أن يتمكن يومًا من الوقوف على قدميه مجددًا، أو على الأقل أن يجد علاجًا يخفف الألم الذي يرافقه منذ إصابته.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير