شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 08 يوليو 2026م18:29 بتوقيت القدس

بعد خسارة منزلها وأرضها " حياة "تزرع الأمل خلف خيمتها

07 يوليو 2026 - 13:27

في مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، حيث تمتد الخيام على مدّ البصر، وتفرض حرب الإبادة الإسرائيلية والحصار المشدد واقعاً بالغ القسوة، تعيش النازحة المسنة نبيلة الددة مع ستة من أفراد أسرتها، بعد أن فقدت منزلها وأراضيها الزراعية وكل ما تملك.

قلبت الحرب حياة الددة (69 عاماً) رأساً على عقب. تقول لـ نوى: "حياتي أصبحت بلا طعم ولا روح. خسرت منزلي الذي لم يمض على بنائه سوى ثلاثة أعوام، وخسرت أراضي زوجي وأهلي، وفقدت كثيراً من أقاربي وأحبائي الذين كانوا جزءاً من حياتي وذاكرتي".

نشأت الددة في بلدة عبسان الكبيرة، وترعرعت بين الحقول والأراضي الزراعية، وتعلمت منذ طفولتها أن الزراعة ليست مجرد مصدر للغذاء، بل أسلوب حياة.

بذاكرة يملؤها الحنين، وصوت يرتجف من هول الفقد، تشير إلى أن الحرب دمّرت كل شيء، حتى إن الإقامة في الخيمة البالية لم تعد تمنحها شعوراً بالأمان، قائلة: "قد تُقصف في أي لحظة، أو نجبر على النزوح مرة أخرى".

ومنذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، اضطرت الددة وأسرتها إلى النزوح مرات عدة، كان آخرها قبل نحو عام، عندما اجتاحت قوات الاحتلال بلدتها والبلدات المجاورة، التي تُعد من أبرز المناطق الزراعية في جنوب قطاع غزة.

وتزامن نزوحها الأخير مع اشتداد المجاعة التي ضربت القطاع بفعل الحرب والحصار، فاضطرت إلى ترك مزروعاتها قبل أن تنضج، لتجد نفسها في مواجهة الجوع، وتصف تلك الفترة بأنها الأصعب في حياتها.

ورغم كل هذا الفقد، لم تستسلم المزارعة المسنة، بل قررت استعادة جزء من حياتها القديمة، فزرعت مساحة صغيرة لا تتجاوز ثلاثة أمتار خلف خيمتها، تضم الطماطم، والفلفل، والملوخية، والبصل، والنعناع، والقرع.

ولضيق المساحة، استعانت بعلب المعلبات الفارغة التي حصلت عليها من المساعدات الإغاثية لزراعة بعض الشتلات، وتقول بعزيمة لا تخلو من الأمل: "غرست شجرة جوافة كي أنقلها معي يوم العودة إلى أرضي في عبسان".

ترعى الددة مزروعاتها كما ترعى الأم طفلها، وتؤكد أن مجرد رؤية اللون الأخضر يمنحها شعوراً بأن الحياة عادت إليها، ولو جزئياً.

ولشدة ارتباطها بالأرض، تكشف أن أسرتها كانت تنوي استغلال المساحة الملاصقة للخيمة لإقامة مطبخ، لكنها أصرت على زراعتها، وتقول: "الزراعة بالنسبة لي تعني الأمل والاستمرار".

ولحماية مزروعاتها، ابتكرت مبيدات طبيعية اعتماداً على خبرتها الطويلة في الزراعة، مستخدمةً مواد بسيطة ومتوفرة، مثل القرفة للحد من انتشار العناكب وحماية الجذور من العفن، والشطة لطرد الحشرات، والكربونات لمكافحة العفن، والصابون لتثبيت المكونات على الأوراق، وزيت الزيتون لإطالة فاعلية الخليط. وتؤكد أن هذه المواد لا تضر بالنباتات، بل تساعد في الحفاظ عليها بصورة طبيعية وآمنة.

ورغم أن المساحة المزروعة لا تكفي لتحقيق الاكتفاء الذاتي لأسرتها، فإن الددة ترى فيها بارقة أمل وسط هذا الخراب. فهي لا تزرع لتأكل فحسب، بل لتبقى على صلة بأرضها وهويتها، بل وتوزع أحياناً بعض الشتلات على أقاربها ليزرعوها بدورهم.

وتقول: "مجرد أن تأكل شيئاً زرعته بيدك يعادل الدنيا كلها"، مؤكدة أنها ستظل متمسكة بالزراعة مهما كانت الظروف، لأنها بالنسبة إليها ليست مجرد مهنة، بل حياة كاملة.

وتختصر حكاية الددة قصة آلاف المزارعين في قطاع غزة الذين فقدوا أراضيهم ومصادر رزقهم، لكنهم ما زالوا يتمسكون بالأرض، ويزرعون الأمل حتى في أضيق المساحات، بانتظار اليوم الذي يعودون فيه إلى بيوتهم وحقولهم ليستأنفوا ما انقطع من حياتهم.

وتشير تقديرات محلية ودولية إلى أن المساحات الزراعية الصالحة للإنتاج في قطاع غزة تقلصت، بفعل الحرب، من نحو 93 ألف دونم إلى نحو أربعة آلاف دونم فقط. كما دُمّر نحو 85% من الدفيئات الزراعية، واقتُلعت أو دُمّرت قرابة أربعة ملايين شجرة مثمرة، من بينها أشجار الزيتون والحمضيات، إضافة إلى تضرر وتدمير ما يقارب 87% من الآبار الزراعية وشبكات الري الحيوية

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير