شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م08:55 بتوقيت القدس

مواطنون يغرسون البذور لإنقاذ عائلاتهم..

زراعةٌ منزلية.. مشاريع "صمود" ضد سلاح "التجويع"!

16 يوليو 2025 - 13:29

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على سطحٍ صغيرٍ يُشرف على حي الشيخ رضوان غربي مدينة غزة، يطوف الحاج شادي مقداد (67 عامًا) بين أحواض بلاستيكية وأوانٍ مهترئة أعاد تدويرها، كأنما يرعى حديقة أمل وسط أنقاض حرب لا تهدأ. بين الفلفل والملوخية والباذنجان، ينحني فوق كل نبتة كأنها طفل في عائلته. فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، أصبحت هذه المزروعات مصدرًا رئيسًا لطعام أسرته، ووسيلته الوحيدة للصمود.

"فكرت في الزراعة بعد عودتي من النزوح في جنوبي القطاع. الأسواق خالية، والأسعار نار، لا قدرة للناس على الشراء".

يروي مقداد وقد لفحت التجاعيد وجهه: "فكرت في الزراعة بعد عودتي من النزوح في جنوبي القطاع. الأسواق خالية، والأسعار نار، لا قدرة للناس على الشراء". لم يكن أمامه خيار، فحوّل سطح منزله إلى حديقة صغيرة، تنقذه وأسرته من جوعٍ فرضه الحصار والحرب معًا.

"وصل سعر كيلو الطماطم لـ350 شيقل، الفلفل الأخضر 200، الباذنجان 150، الملوخية 180.. ماذا بقي لنا؟"، يتساءل بنبرة مشوبة بالغضب والأسى، مشيرًا إلى أحواضه التي يسقيها بمياه شحيحة تكاد لا تكفي.

وما بدأ كهواية قبل الحرب، أصبح ضرورة حياتية، كما يقول: "كنت أتابع فيديوهات الزراعة على يوتيوب، لكن الحرب جعلتني أطبّق ما تعلمته. لم يعد ترفيهًا، بل مسألة بقاء".

الحاج الذي كان يعمل نجارًا في الداخل المحتل، فقد عمله ومصدر دخله بعد إغلاق المعابر وتوقف الحياة الصناعية، فوجد في الزراعة، رغم محدوديتها، متنفسًا يقلل من وطأة الجوع وغلاء المعيشة.

لكن الزراعة المنزلية في غزة ليست سهلة، بل محفوفة بالعقبات. انعدام الأسمدة، نقص البذور، وغياب المياه المنتظمة، كلها تحديات تواجه العائلات التي لجأت لهذا الخيار. "أبحث كثيرًا عن بذور أو أسمدة لدى المزارعين أو في السوق، وإن وُجدت فهي بأسعار مرتفعة لا تُطاق"، يقول مقداد.

بات الرجل يحثّ الناس على الزراعة، ولو بمساحات ضيقة. "نحن تحت الحرب والحصار، نُمنع من الطعام والماء، فلماذا لا نزرع طعامنا بأيدينا؟"، يتساءل بإصرار، مشيرًا إلى ما تؤكده منظمات حقوقية دولية من أن "إسرائيل" تستخدم "التجويع كسلاح حرب".

تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، وغيرها من المؤسسات الحقوقية، أشار إلى أن الاحتلال يمنع عمدًا دخول الغذاء والدواء، ويجرف الأراضي الزراعية، في مخالفة واضحة للقوانين الدولية.

من بيت لاهيا شمالي القطاع، يتكرر المشهد نفسه مع محمد السلطان (43 عامًا)، الذي كان يعتاش من أرض زراعية دمّرتها جرافات الاحتلال بالكامل. "عُدت بعد خمسة أشهر من انسحاب الاحتلال، فوجدت الأرض رمادًا: لا زرع، لا شجر، لا حياة"، يقول بمرارة لمراسل "نوى".

لكن السلطان لم يرضَ بالهزيمة. لجأ لزراعة المساحات القريبة من خيمته، التي نصبها قرب مقبرة الشيخ رضوان بعد نزوحه الأخير، مستخدمًا ما توافر من بذور للطماطم.

"سعر كيلو الطماطم صار 65 شيقلًا، بعد أن كان بـ 2 شيقل فقط قبل الحرب"، يشرح وهو يمسح العرق عن جبينه، ليؤكد أن الزراعة باتت ضرورة للعيش لا خيارًا للترفيه.

كشفت صور الأقمار الصناعية أن الاحتلال دمّر نحو ثلث الأراضي المزروعة شمالي القطاع، وأشارت لتراكم  الرمال على أطراف المزارع، ما أدى لتقلص المساحات الزراعية.

يخطط السلطان لتوسيع زراعته، كي تشمل الفلفل والملوخية والباذنجان والكوسا، مستغلًا كل بقعة ترابية حول خيمته، رغم الخطر ونقص الموارد. ينقل المياه من صهاريج تصل المنطقة بشكل غير منتظم، ويروي بها مزروعاته، ويشير إلى نجاحه سابقًا في زراعة البازلاء والفول الأخضر والسبانخ، ما وفّر جزءًا من الغذاء لأسرته.

معاناة السلطان ومقداد ليست سوى صورة مصغرة من واقع آلاف العائلات الغزية، خاصةً المزارعين. فقد كشفت صور الأقمار الصناعية أن الاحتلال دمّر نحو ثلث الأراضي المزروعة شمالي القطاع منذ بدء الحرب.

وأكدت الصور تراكم أكوام من الرمال على أطراف المزارع، ما أدى لتقلص المساحات الزراعية بشكل كبير، حتى أن الوصول إليها بات محفوفًا بالموت. "أي تحرك قرب السياج الفاصل، تقصفه الطائرات"، يقول السلطان.

تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن القطاع الزراعي تكبد خسائر تجاوزت 180 مليون دولار، بفعل تجريف الأراضي، وتدمير آلاف الأشجار.

أما الزراعة في التربة المُسمّمة بفعل الصواريخ، فكانت التحدي الأكبر، إذ اضطر لغسل التربة يدويًا قبل الزراعة، في محاولة لإحيائها من جديد. وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن القطاع الزراعي تكبد خسائر تجاوزت 180 مليون دولار، بفعل تجريف الأراضي، وتدمير آلاف الأشجار، ومنع وصول المزارعين لمحاصيلهم.

أصبحت الأسواق شبه خالية من المنتجات الزراعية، ووجد الناس أنفسهم مجبرين على المبادرات الفردية، فازدهرت الزراعة المنزلية على الأسطح، وفي أحواش البيوت، وحتى مراكز الإيواء. هي محاولاتٌ يائسة لصناعة الأمل، وتأمين لقمة في زمن الجوع.

في غزة، لم يعد الخبز وحده هو الحياة، بل باتت نبتةُ ملوخية على سطح منزلٍ، أو شتلة طماطم قرب خيمةٍ، مشروع صمودٍ صغير، ضد جوعٍ يُستخدم سلاحًا، وضد حربٍ تسرق حتى أبسط مظاهر الحياة.

كاريكاتـــــير