شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م19:52 بتوقيت القدس

"زراعة".. على حدود خيمة!

07 يوليو 2024 - 15:25

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تمسك حنان بربخ بكثيرٍ من الرقة شتلةً زرعتها أمام خيمتها في منطقة المواصي غربي مدينة غزة، وتوليها اهتمامًا كبيرًا، بينما السعادة تملأ قلبها بمشاهدتها وقد كبُرت ونمَت أمام ناظريها.

ليس لهذه النازحة الأربعينية سابق معرفة أو تجربة بالزراعة، لكنها قررت أن تخوض التجربة كي ترى النتيجة؟ لطالما سألت نفسها "لماذا يتشبث المزارعون على الحدود بأراضيهم؟" لكنها وجدت الإجابة جليةً بعدما نبتت أول زهرةٍ زرعتها. تقول: "الزراعة ليست من أجل توفير الغذاء فقط، بل هي تشبث بالحياة. نحن نزرع من أجل الحياة والأمل، من أجل إعادة الحياة للخراب من حولنا جراء الحرب المجنونة".

وتتحدث حنان (43 عامًا) بفخرٍ شديد عن تجربتها الزراعية، التي لاقت إعجاب عدد من النساء النازحات في الخيام المجاورة لها، فحذَيْنَ حذوَها وقمنَ بزراعة المساحات الصغيرة الملاصقة لخيامهن.

وفي أحاديث منفصلة مع "نوى" أكدت مجموعة منهن أن الزراعة "ورؤية النبات ينمو أمام عينك، يحسن من الحالة النفسية، خاصة وأن النساء هن الفئة الأكثر تعرضًا للضغوط بسبب الحرب وتداعيات التشرد والنزوح".

ونزحت حنان مع زوجها وأطفالها الثمانية مرارًا منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، قبل النزوح الأخير في هذه الخيمة بمنطقة المواصي، التي تنوء بكثافة سكانية غير مسبوقة، خاصة بعد النزوح الكبير من مدينة رفح المجاورة على وقع عملية عسكرية برّية بدأتها قوات الاحتلال في السادس من مايو/أيار الماضي.

"نحن نستحق حياة أفضل، ولا تليق بنا وبأطفالنا حياة الخيمة التي تحولها حرارة الصيف إلى فرن يصهر أجسادنا"، تقول حنان وهي تمسح بكفيها العرق المتصبّب من جبينها، وتضيف: "كل ما نفعله من زراعة أو أفكار أخرى الهدف منها إظهار جدارتنا بالحياة، وأننا بشر كما كل الناس في هذا العالم. نحب أطفالنا ونكره الموت ونريد حقنا بالحرية والأمان".

منذ خمسة شهور تقيم حنان وأسرتها الكبيرة في خيمة المواصي، التي استبدلتها بخيمة أخرى، إثر حريقٍ اندلع فيها جراء صاروخ إسرائيلي انفجر على مسافة قريبة، لكنها نجت وأطفالها ولم يصب أحد منهم بأذى، ولا يشغل بال هذه الأم النازحة حاليًا سوى العودة إلى منزلها الذي تعرض للحرق أثناء العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة خان يونس التي بدأها الاحتلال مطلع شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي واستمرت لنحو أربعة شهور.

تخبرنا: "أريد العودة لبيتي ولو كان محروقًا أو مدمرًا. أريد مساحةً آمنةً لأطفالي بعيدًا عن أجواء الحر الشديد والحشرات وانتشار الأمراض والأوبئة".

ويشكو مئات آلاف النازحين في منطقة المواصي من انتشار الحشرات والقوارض بسبب أجواء الحر الشديد وتكدس النفايات في الشوارع، ونتيجة لذلك تنتشر في أوساطهم، خاصة الأطفال وكبار السن، الأمراض المعوية والمعدية.

ورغم الحياة المريرة في خيام النزوح تقول حنان: "لن نفقد الأمل في غدٍ أفضل، وأملنا في الله كبير أن تتوقف الحرب قريبًا، وإلى حين عودتنا إلى منازلنا سنبقى نبحث عن أي فرصة للحياة، بالزراعة وباللعب وبحفظ القرآن".

وحتى بعد العودة إلى منزلها تنوي حنان الاستمرار في الزراعة كهواية ومواصلة تعلم قواعدها وطرقها وآليات التعامل مع النباتات في مراحل الزراعة المختلفة، وقد اكتسبت بعض المعرفة عن طريق متابعة قنوات متخصصة عبر اليوتيوب، وبذلَت في سبيل ذلك جهودًا مضنية جرّاء تردّي خدمات الاتصالات والإنترنت.

وجذبت النباتات التي تنمو في محيط خيمة حنان، جارة لها في خيمة قريبة، وتقول بيسان قمر: "منظر النباتات بألوانها وأشكالها يريح النفس رغم المعاناة الشديدة التي نعيشها في هذه الخيام، خاصة بالنسبة للمرأة حيث تفتقر لكل احتياجاتها وأهمها النظافة والخصوصية، وهي بحاجة إلى ما يخفف عنها ضغوط الحياة".

بادرت بيسان (18 عامًا) متزوجة وأم لطفل، بالتعرف إلى حنان، التي ساعدتها بما اكتسبت معرفته عن الزراعة، وأهدتها بعض البذور الجافة من أجل تجربة الزراعة أمام خيمتها. تقول بيسان لـ "نوى": "شعرت بسعادة لم أشعر بها من قبل عندما شاهدتُ غرس يدي ينمو أمامي، وكل يوم تكبر فيها المحاصيل أزداد سعادة".

ونزحت بيسان مع زوجها وطفلها لأول مرة من منزلهم في منطقة "معن" بمدينة خان يونس، وتنقلت في أماكن عدة بالمدينة قبل اجتياحها من قبل قوات الاحتلال واضطرارهم للنزوح لمدينة رفح، التي نزحوا منها إلى مواصي خان يونس على إثر العملية العسكرية البرية.  

تحكي هذه الزوجة الشابة كسف وجدت في الزراعة ما يشغل وقتها، وينسيها مؤقتًا مصاعب الحياة الناجمة عن الحرب والنزوح، وتضيف بابتسامة: "خلينا نشوف حاجة حلوة نفتح عيوننا عليها أمام الخيمة".

وأينعت لدى حنان وبيسان بعض النباتات كالجرادة والريحان، وشعرتا بمذاق مختلف لها في الطعام، كونها من زراعتهما، فيما لا تزالان تنتظران بشوق أن تنضج وتنمو محاصيل أخرى مثل البطيخ والشمام والفول والفاصوليا.

ومع استمرار الحرب التي توشك على دخول شهرها العاشر، ظهرت مبادرات كثيرة على غرار لجوء حنان للزراعة، سعيًا من الغزيين للبحث عن فرصٍ للنجاة، وتدبير الاحتياجات الحياتية الأساسية، خاصة مع الحصار الخانق على القطاع، والارتفاع الجنوني وغير المسبوق في أسعار مختلف أنواع السلع والبضائع والمنتجات الزراعية والصناعية، المتوفرة في الأسواق بكميات شحيحة.

كاريكاتـــــير