في غزة، حيث سرقت حرب الإبادة الإسرائيلية أصوات الأطفال وأحلامهم، تتحول كل ابتسامة تعود إلى وجه صغير، وكل كلمة تخرج من فم طفل أنهكته الصدمات، إلى انتصار حقيقي على آلة القتل والدمار.
بين خيام النزوح ووسط الركام، وعلى أصوات القصف التي لا تتوقف، تبرز محاولات حثيثة لإنقاذ جيل كامل من الآثار النفسية والجسدية التي خلفتها الحرب، أحدثها مدرسة "نوال غزة"، التي تعتبر أول مبادرة متخصصة في لعلاج الاضطرابات النفسجسمية لدى الأطفال من الجنسين، وتقدم خدماتها بالمجان.

الطفل أحمد سليم (7 أعوام)، يحقق تقدما ملموسا منذ التحاقه بمدرسة "نوال غزة" غرب مدينة خان يونس في جنوب قطاع غزة، وتقول أخصائية التأهيل والتربية الخاصة بالمدرسة أمل حمدان لـ "نوى" : "في كل مرة ينطق فيها أحمد حرفاً جديداً، نشعر أننا ننتصر على الحرب".
تبذل حمدان جهودا مضنية مع هذا الطفل في محاولة لعلاجه واستعادة صوته وقدرته على التواصل وسط واقع يطغى عليه القتل والنزوح والدمار.
يعاني أحمد من حالة تعرف بـ"الصمت الاختياري"، إلا أن حالته شهدت تحسناً ملحوظاً منذ التحاقه بمدرسة "نوال غزة" في أكتوبر الماضي، وتؤكد حمدان أنه "أصبح قادرا على التنفس بصورة أفضل، وبدأ يحرز تقدما تدريجياً في نطق الحروف والتعبير عن نفسه".

يقيم أحمد مع أسرته داخل مدرسة تحولت إلى مركز لإيواء النازحين بالقرب من مجمع ناصر الطبي غرب مدينة خان يونس، بعد أن أُجبروا على النزوح من البلدات الشرقية للمدينة إثر تدمير منزلهم ضمن عمليات الهدم الواسعة التي طالت المنازل والممتلكات في المناطق التي أصبحت ضمن ما يتعرف بـ"المنطقة الصفراء" الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
ورغم محدودية الإمكانات، تمكنت حمدان من تحقيق تقدم ملموس في حالة الطفل. وتوضح أن أحمد يعاني من اضطرابات في مراكز النطق، وأن آثار الحرب وما رافقها من صدمات نفسية أسهمت في تفاقم حالته.
ولا تمثل قصة أحمد حالة فردية، إذ يعد واحداً من نحو 350 طفلا وطفلة يشاركون في برنامج تعليمي، إلى جانب أكثر من 400 طفل وطفلة يتلقون خدمات علاجية في مدرسة "نوال غزة".
كرم أبو شنب طفل في السادسة من عمره، هو أحد هؤلاء الأطفال، والتحق بالمدرسة في يناير الماضي. ويعاني من اضطرابات سلوكية متعددة، أبرزها السلوك العدواني تجاه الآخرين.
عاش هذا الطفل شأنه شأن آلاف الأطفال في غزة، تجربة نزوح قاسية بعد مغادرة أسرته منزلها في شرق خان يونس. وخلال الحرب تعرض لمشاهد صادمة، من بينها جرائم مروعة وأشلاء شهداء وجرحى خلفتها الغارات الجوية الإسرائيلية، وهي أحداث تركت آثار عميقة على صحته النفسية والجسدية.
تقول معلمة اللغة العربية والتربية الإسلامية إيمان علي لـ "نوى" إن تلك التجارب انعكست بوضوح على سلوك الطفل كرم، حيث ظهرت لديه عادات جسدية سلبية، إلى جانب السلوك العدواني، وضعف الاستيعاب، والتراجع في التحصيل الدراسي.

بدورها، ترى الدكتورة نوال عسقول، أخصائية التنمية البشرية والطاقة الحيوية وصاحبة مبادرة "مدرسة نوال غزة"، أن الآلام والتجارب القاسية التي عاشها الأطفال خلال الحرب لا تبقى حبيسة الذاكرة، بل تظهر على أجسادهم في صورة اضطرابات وأمراض نفسية وجسدية متعددة.
وقد أطلقت عسقول المبادرة داخل الطابق الأرضي من منزلها المكون من ثلاثة طوابق، والذي تعرض لتدمير جزئي خلال اجتياح قوات الاحتلال لمدينة خان يونس وبلداتها الشرقية أواخر عام 2023، وهي العملية التي استمرت أربعة أشهر وخلفت دمارا واسعا في المنطقة.
وفي حديثها لـ "نوى" تشير الدكتورة عسقول إلى أن من أخطر التداعيات التي خلفتها الحرب ما تصفه بـ"الفجوة الزمنية"، حيث توقفت أعمار ومدارك كثير من الأطفال عند لحظة اندلاع الحرب نتيجة الصدمات المرتبطة بالموت والفقد والخوف والجوع.
وتوضح أن بعض الأطفال الذين تبلغ أعمارهم الحقيقية ست سنوات، يظهرون مستوى إدراك ومهارات أقرب إلى أطفال في الرابعة من العمر، وعند التحاقهم بالمدرسة يتبين أنهم فقدوا كثيرا من المهارات الأساسية، بل وحتى القدرة على التعبير عن احتياجاتهم اليومية بصورة طبيعية.
وبات أطفال غزة يحملون أعباء ومسؤوليات تفوق أعمارهم بكثير، خاصة أولئك الذين فقدوا آباءهم أو معيلهم الأساسي، إذ يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة مسؤوليات أسرية كبيرة، ويخوضون معارك يومية من أجل توفير الطعام والماء، الأمر الذي يترك آثارا خطيرة على نموهم الجسدي والنفسي، توضح عسقول.
وإصافة لذلك، سلبت الحرب أطفال غزة براءة الطفولة وأحلامهم البسيطة، وتؤكد عسقول أن حجم المعاناة النفسية والجسدية والعقلية التي خلفتها هذه الحرب غير المسبوقة يتطلب سنوات طويلة من العمل والدعم المتخصص لإعادة التوازن إلى حياتهم، وتمكينهم من استعادة قدرتهم على النمو والتعلم والحلم من جديد.
























