غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
مع أول خيوط الشمس، تبدأ معاناة دعاء الزعانين، إذ تفتح عينيها على معركة جديدة مع حرارة تتسلل إلى خيمتها المصنوعة من النايلون، فتحولها خلال ساعات النهار إلى مساحة خانقة تشبه فرنًا مغلقًا لا مكان فيه للراحة.
منذ أن أُجبرت على النزوح من منزلها في بيت حانون شمالي قطاع غزة منذ بداية الإبادة عام 2023م، تعيش دعاء مع أبنائها الأربعة داخل خيمة غربي المدينة. تحمل يوميًا أعباء النزوح والفقد، يضاف إليها عبء آخر لا يقل قسوة: صيفٌ طويلٌ تحت سقفٍ لا يقي من الشمس ولا يمنح جسدًا أنهكه التعب فرصة لالتقاط أنفاسه.
مع انقطاع الغاز، تضطر دعاء كل صباح إلى إشعال النار باستخدام الحطب والكرتون وبقايا الأقمشة والنايلون من أجل إعداد الطعام.
تقول دعاء: "الصيف يعيد معي ذكريات الألم نفسها، بعدما عادت الحساسية التي أصابت ذراعيَّ في العام الماضي للظهور من جديد".
وتوضح أنها أصيبت الصيف الماضي بحساسية شديدة تطورت إلى دمامل مؤلمة، ومع عودة الحر عادت الحكة. لا توجد مياه كافية لتخفف عن نفسها الـألم، لا سيما وأن هذا هو الصيف الثاني الذي تقضيه داخل خيمة.
في هذه الخيمة، لا يقتصر أثر الحرارة على الجسد فقط، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.. فمع انقطاع الغاز، تضطر دعاء كل صباح إلى إشعال النار باستخدام الحطب والكرتون وبقايا الأقمشة والنايلون من أجل إعداد الطعام، بينما ترعى ابنها البالغ من العمر تسع سنوات، الذي يعاني من إعاقة ذهنية ولم يتمكن من الالتحاق بالمدرسة منذ اندلاع الحرب.
تقضي دعاء ساعات طويلة في البحث عن أي بقعة ظل مهما كانت صغيرة، علّها تمنحها وأطفالها لحظات قصيرة من البرودة بعيدًا عن الشمس.
بين نوبات الدوار التي يسببها الحر، ومحاولاتها توفير احتياجات أطفالها، تقضي دعاء ساعات طويلة في البحث عن أي بقعة ظل مهما كانت صغيرة، علّها تمنحها وأطفالها لحظات قصيرة من البرودة بعيدًا عن الشمس.
قبل الحرب، كانت دعاء تدير مشروعًا صغيرًا لتأجير فساتين الأعراس، وكان مصدر دخل أساسيٍ لعائلتها. لكن النزوح دمر مشروعها، وفقدت مع زوجها مصدر رزقهما، ليصبح تأمين الاحتياجات الأساسية لأطفالهما أكثر صعوبة في ظل ظروف اقتصادية قاسية.

في المخيم ذاته، تعيش دلال أبو عمشة التجربة نفسها. هي الأخرى نزحت من بيت حانون، وتحولت أيامها إلى رحلة بحث متواصلة عن الظل، بعدما أصبحت الخيمة التي يفترض أن تكون مأوى لها مكانًا يضاعف معاناتها.
تقول دلال: "الحر يكاد يحرق جلودنا (..) نقضي ساعات النهار ننتقل من مكان إلى آخر بحثًا عن بقعة ظل، لكن لا شيء يحمينا. حتى الحفاظ على النظافة أصبح شبه مستحيل، ومع ارتفاع درجات الحرارة انتشرت الحساسية والأمراض الجلدية بين أفراد الأسرة".
"الخيمة لا توفر حماية حقيقية في أي فصل؛ فهي لا تقي من حرارة الصيف ولا برد الشتاء، فيما يزيد إشعال النار لإعداد الطعام من اختناق المكان".
وتضيف: "الخيمة لا توفر حماية حقيقية في أي فصل؛ فهي لا تقي من حرارة الصيف ولا برد الشتاء، فيما يزيد إشعال النار لإعداد الطعام من اختناق المكان، وسط نقص المياه وغياب أبسط مقومات الحياة".
تزيد بحسرة: "كان لدي منزل يأويني، أما اليوم فأعيش داخل خيمة لا تحمينا من شمس الصيف، ولا تمنحنا الحد الأدنى من الحياة الكريمة".
أما فداء الشنباري، فتعيش مع زوجها وأبنائها الثمانية داخل خيمة لا تتسع لأحد عشر فردًا سوى على حساب راحتهم وخصوصيتهم.
مساحة ضيقة جمعتهم بعدما كانوا يعيشون في منزل متعدد الغرف، لكل فرد فيه مكانه الخاص.
تقول: "مع بدء الصيف تتحول الخيمة إلى فرن. لا نستطيع الجلوس بداخلها، ولا نجد راحة خارجها. الخيام متلاصقة، ولا توجد مساحة للخصوصية أو الهدوء، ومع ارتفاع الحرارة يزداد التوتر والعصبية، فالحر يرهق الأجساد والأعصاب معًا".
ولا تتوقف معاناة فداء عند حرارة الخيمة، إذ تقضي ساعات طويلة أمام النار لإعداد الطعام تحت الشمس الحارقة. تجلس أمام اللهيب مباشرة، فتجتمع حرارة النار مع حرارة الشمس، وتحاول الاحتماء بقطعة من الكرتون لتخفيف الدخان والحرارة، خاصة مع اضطرارها إلى استخدام أعواد الخشب والكرتون والنايلون بسبب عدم قدرتها على شراء الحطب.
وتضيف: "مع انقطاع الكهرباء ليلًا تصبح الخيمة أكثر اختناقًا. لا مراوح ولا إضاءة تخفف من وطأة الحر.. ننام فوق الرمال، ونضطر إلى النوم بعد العشاء مباشرة، فلا هواتف ولا أي وسيلة للتسلية كما كان الحال في منزلنا".
"أصيب عدد من أطفالي بحساسية وطفح جلدي بسبب لسعات البعوض، كما تنتشر الفئران، وأصبح الأطفال يعيشون في خوف دائم
ولا تنتهي معاناة فداء عند حدود الحرارة، فالرمال والرماد والدخان الناتج عن الطهي تدخل الخيمة باستمرار، فتضطر إلى تنظيفها مرات عدة يوميًا، قبل أن تعود الرمال لتغطي المكان من جديد.
ومع اشتداد الصيف، تتضاعف معاناة سكان المخيم مع انتشار الحشرات. تقول فداء: "أصيب عدد من أطفالي بحساسية وطفح جلدي بسبب لسعات البعوض، كما تنتشر الفئران، وأصبح الأطفال يعيشون في خوف دائم، خصوصًا عند اضطرارهم للذهاب إلى الحمام ليلًا في ظل انعدام الإضاءة".
في خيام غزة، لا تأتي قسوة الصيف من ارتفاع درجات الحرارة وحده، بل من اجتماع كل ما يجعل الحياة أكثر صعوبة: سقف من النايلون، نار لا بد منها، شح المياه، غياب الكهرباء.
ولم تسلم أجساد فداء وأطفالها من آثار هذا الواقع؛ فقد أصيبوا بحساسيات والتهابات جلدية ظهرت على شكل حبوب حمراء، خاصة بعد الوقوف لساعات طويلة أمام النار أثناء إعداد الطعام.
تختم فداء حديثها قائلة: "في الصيف الماضي تلقينا العلاج بسبب هذه الإصابات، وأخشى تكرار المعاناة هذا العام، لذلك أحاول تجنب إشعال النار والطهي قدر الإمكان، حمايةً لي ولأطفالي من حرارة لا ترحم".
في خيام غزة، لا تأتي قسوة الصيف من ارتفاع درجات الحرارة وحده، بل من اجتماع كل ما يجعل الحياة أكثر صعوبة: سقف من النايلون، نار لا بد منها، شح المياه، غياب الكهرباء، وخوف دائم على الأطفال.
هناك، تتحول ساعات النهار إلى اختبار طويل للقدرة على الاحتمال، فيما تواصل النساء مواجهة تفاصيل يومية لا تظهرها أرقام النزوح، لكنها تسكن وجوه من يعيشونها.
























