شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 22 يوليو 2026م13:40 بتوقيت القدس

غزة.. نهايات موجعة لزيجات فرضتها الإبادة!

22 يوليو 2026 - 12:00

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

كانت ميساء تضم طفلتها إلى صدرها بينما تعبث الريح بأطراف الخيمة التي أصبحت بيتها الوحيد.

لم تكن تتخيل أن عامًا واحدًا سيكفي ليبدد كل ما حلمت به: فقدت والدها، وتوقفت دراستها، وتزوجت، ثم انفصلت، ثم وجدت نفسها أمًا وحيدة قبل أن تكمل عامها التاسع عشر.

قصة ميساء ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات الحكايات التي صنعتها الحرب، حين تحوّل الزواج لدى كثير من الشبان والفتيات من مشروع حياة إلى محاولة للنجاة، قبل أن تصطدم تلك المحاولة بواقع النزوح والفقر والعنف وانعدام الاستقرار.

عدد حالات الطلاق المسجلة منذ مطلع عام 2025م وحتى العاشر من أكتوبر بلغ 2802 حالة وفق إحصاءات المحاكم الشرعية بغزة.

وتكشف إحصاءات المحاكم الشرعية أن عدد حالات الطلاق المسجلة منذ اندلاع الحرب وحتى العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025م بلغ 4819 حالة، بينها 2017 حالة سُجلت حتى نهاية عام 2024م، و2802 حالة منذ مطلع عام 2025م وحتى العاشر من أكتوبر.

ويرى مختصون أن هذه الأرقام تعكس الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي فرضتها الحرب على الأسر الجديدة.

أحلام انتهت عند باب الخيمة

تستعيد ميساء نوفل (19 عامًا) رحلتها القصيرة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب، وتخبرنا أنها فقدت والدتها قبل سنوات، ثم خسرت والدها خلال الحرب، لتنتقل إلى منزل عمها حيث شعرت بأنها أصبحت عبئًا على الأسرة، قبل أن تُزف وهي في الثامنة عشرة.

تقول: "لو لم تكن الحرب، لما تزوجت في هذا العمر. كنت متفوقة، وكان حلمي أن أدرس البرمجة في الجامعة، لكن الحرب سرقت مستقبلي قبل أن يبدأ".

وافقت ميساء على الزواج بحثًا عن الاستقرار، لكنها وجدت نفسها داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. النزوح المتكرر، وضيق المكان، وانعدام الخصوصية، والضائقة الاقتصادية، كلها تحولت إلى وقود لخلافات يومية انتهت بعنف متكرر.

وتروي: "كان يعتذر بعد كل مرة ويقول إن الحرب هي السبب، لكن الضرب لم يتوقف. وعندما قررت طلب الطلاق كنت حاملًا بطفلتي، وشعرت أن بقائي سيحطم ما تبقى مني".

خرجت ميساء من زواجها بلا نفقة ولا حقوق، ولم تجد منزلًا تعود إليه، فنصبت خيمة قرب منزل خالها، لتبدأ مع طفلتها حياة جديدة مثقلة بالمخاوف. أصبح تأمين الحليب والحفاضات والدواء معركة يومية، فيما يظل حلم العودة إلى الجامعة حاضرًا رغم كل شيء.

وتضيف بحسرة: "في أقل من عام خسرت والدي، وضاع حلمي في التعليم، وانتهى زواجي، وأصبحت مسؤولة عن طفلة، بينما ما زلت أشعر أنني طفلة تحتاج إلى من يحميها".

"لم أشعر أنني عروس"

لم تكن ميساء الوحيدة التي دفعت ثمن زواج فرضته ظروف الحرب. سوسن محمد (27 عامًا) دخلت تجربة زواج جديدة بعدما ظنت أنها ستمنحها الأمان عقب انفصالها عن زوجها الأول.

خلال العام الثاني من الحرب وافقت على الزواج من رجل مطلق يعيل ثلاثة أطفال، معتقدة أنها تبدأ صفحة مختلفة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن دورها اقتصر على رعاية الأطفال وتحمل أعباء المنزل.

تقول: "لم أشعر يومًا أنني عروس، بل شعرت أنني خادمة جاءت لرعاية أطفاله".

ومع مرور الوقت اكتشفت أن زوجها يتعاطى المخدرات، وحاول إجبارها على تعاطيها، وعندما رفضت تعرضت للضرب والإهانة.

بعد أشهر قليلة قررت الرحيل، رغم محاولاته المتكررة لإعادتها، مؤكدة أنه كان يبحث عمن يعتني بأطفاله أكثر من بحثه عن شريكة حياة.

الحرب غيّرت دوافع الزواج

ويرى القاضي الشرعي أشرف أبو الشعر أن الحرب رفعت معدلات الزواج، خصوصًا بين الشباب وصغار السن، بعدما اعتقدت أسر كثيرة أن الزواج قد يوفر لبناتها الحماية والاستقرار في ظل الظروف الاستثنائية.

قاضٍ شرعي: "الحياة داخل خيام النزوح أو منازل الأقارب، وغياب الخصوصية، والضغوط الاقتصادية، أصبحت من أبرز أسباب النزاعات الزوجية".

ويشير إلى أن بعض الزيجات انتهت سريعًا بعد اكتشاف الزوجات تعاطي الأزواج للمخدرات أو سوء السلوك، فيما ارتبطت زيجات أخرى بالرغبة في تسجيل الأسماء للاستفادة من فرص السفر أو الخروج من القطاع.

ويضيف: "الحياة داخل خيام النزوح أو منازل الأقارب، وغياب الخصوصية، والضغوط الاقتصادية، أصبحت من أبرز أسباب النزاعات الزوجية"، مؤكدًا أن معظم القضايا المنظورة أمام المحاكم الشرعية تتعلق بالشقاق والنزاع والهجر، وداعيًا إلى تكثيف برامج التوعية والإرشاد للمقبلين على الزواج.

الفئة الأكثر هشاشة

من جهتها، تؤكد وفاء أبو ميري، مديرة دائرة الرقابة والشكاوى بوزارة شؤون المرأة، أن الحرب دفعت كثيرين إلى التعجيل بالزواج بدافع الخوف والرغبة في التشبث بالحياة، لكن الأزواج الجدد اصطدموا سريعًا بواقع النزوح، وشح الموارد، وانعدام الخصوصية، والضغوط النفسية والاقتصادية.

وتوضح أن الوزارة رصدت ارتفاعًا في طلبات الاستشارات الأسرية والقانونية وخدمات الحماية داخل مخيمات النزوح، بالتوازي مع تزايد أشكال العنف التي تعرضت لها النساء، من العنف النفسي والجسدي إلى الابتزاز الإلكتروني.

شؤون المرأة: "الحرب وما رافقها من تدمير للبنية التحتية وفقدان الوثائق الرسمية صعّبت وصول النساء إلى حقوقهن القانونية وخدمات الدعم".

وتلفت إلى أن الحرب وما رافقها من تدمير للبنية التحتية وفقدان الوثائق الرسمية صعّبت وصول النساء إلى حقوقهن القانونية وخدمات الدعم، رغم استمرار الوزارة والمؤسسات الشريكة في تقديم الدعم النفسي والإرشاد القانوني.

وتصف أبو ميري المرأة المطلقة في مخيمات النزوح بأنها من أكثر الفئات هشاشة، إذ تواجه مسؤولية إعالة أسرتها في ظل غياب مصادر الدخل، وصعوبة تحصيل حقوقها، وتراجع فرص الحماية.

وبين أرقام المحاكم وحكايات النساء، تبدو الصورة أكثر وضوحًا؛ فالحرب لم تكتفِ بهدم البيوت، بل هزّت أيضًا أسس أسر تشكلت على عجل بحثًا عن الأمان. وما بدأ لدى كثيرين محاولة للنجاة، انتهى بالنسبة لنساء كثيرات بحياة جديدة أكثر قسوة، يحملن فيها وحدهن أعباء الأمومة والفقد، بينما يواصلن البحث عن الحد الأدنى من الاستقرار الذي وعدهن به الزواج، ولم تمنحهن إياه الحرب.

كاريكاتـــــير