شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 22 يناير 2026م09:47 بتوقيت القدس

أُقيم على أنقاض "جاليري غزة"..

"مأوى الفنانين" يُلملم روح الجماعة التي بعثرتها الحرب

07 يناير 2026 - 10:48

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

رويداً رويداً، تسلّل شعور كانت تعرفه من قبل "بيجال"، طالبة الفنون الجميلة، إلى داخلها مجدداً، بمجرد دخولها "مأوى الفنانين" في غزة، إنه شعورُ الأمل وأن للحياة معنى.

تحدّت بيجال، كغيرها من عشرات الشابات، ظروفَ المواصلات الصعبة والقصف المتقطع، كي تصل إلى هذه المساحة التي أصبحت لهن جامعةً بديلة، وفرصةً نادرة للتشبيك، وردم الهوّة مع جيل الفنانين المخضرمين.

فمن بعد يأس طويل، عاد الأمل مداعبًا قلوب هؤلاء الفنانات الناشئات، بفضل الفنان التشكيلي والمخرج محمد حرب.

هذا الرجل، يوم رجعَ إلى مرسمه بعد الهدنة، لم يجد سوى الحطام، فجزء كبير من "جاليري غزة" الحلم الذي أسسه عام 2022، تحول إلى ركام، لكن من بين غبار الذكريات وفي قلب الموت، قرر أن يبعث حياةً جديدة، لا تشبه ما كان قبلها، مستلهماً من عمق المأساة، بل من مفردات الحرب ذاتها اسم مكانه الجديد: "مأوى الفنانين"، ليغدو إشارة حياة لكل غزية حديثة عهدٍ بالفن.

مبادرات فعالة

 قبل ثلاث سنوات، حين اُفتُتح "جاليري غزة"، كان صاحبه الفنان محمد حرب يتطلع إلى أن يتّخذ منه مساحةً فنية وحاضنةً دافئة للفنانين في قطاع غزة. بَيدَ أن الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 لم تدمر المكان فحسب، بل حوَّلته إلى رماد، مبتلعةً 78 لوحةً من أعماله.

يعود مؤسس "مأوى الفنانين" في حديث مع مراسلة "نوى" بذاكرته إلى الأيام الأولى من الحرب، قائلاً: "في بداية الأمر، لم يسعني التفكير في الفن، كونه أصبح ترفاً، لقد أضحت الأولوية الأولى للجميع، وبلا استثناء، هي النجاة، والبحث عن الأمان، وتأمين حياة الأسرة".

مرت شهور، وأخذ "الفنان" في أعماق محمد حرب يتململ، حتى عَلا صوته قائلاً: "أريد أن أعمل"، ما دعاه إلى إطلاق أولى مبادراته وهي توثيق الحياة في الخيام، ورصد معاناة الناس والمباني المدمرة بواسطة الصورة والفيديو، ليسرد قصة كل صورة، وينشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، تبعاً لحديثه.

أما بعد تدمير مرسمه، راوده شعورٌ أنه يجب أن يُبدي ردَّ فعلٍ أقوى، فجاءت مبادرته الفردية الجريئة: "لوحةٌ مقابل كل صاروخ" التي لاقت تفاعلاً كبيراً.

"المبادرة كانت نوعاً من التمرد على هذا العدوان، لأن الفن هو الوسيلة الوحيدة التي تبّقت لنا لنردّ بها، كل لوحة رسمتها غدت شهادةً على رفضي الصامت للدمار".

يخبرنا بهدفه من مبادرته: "كانت نوعاً من التمرد على هذا العدوان، لأن الفن هو الوسيلة الوحيدة التي تبّقت لنا لنردّ بها، كل لوحة رسمتها غدت شهادةً على رفضي الصامت للدمار".

ولم يتوقف عند هذا الحد، عندما اشتدت وطأة الجوع، سارع إلى إطلاق مبادرة "لوحة مقابل كيس طحين"، مُسخِّراً فنه وعلاقاته في الخارج لجمع التبرعات وتحويلها إلى مساعدات غذائية تُوزع على الناس في غزة.

 يحاول أن يختصر مُراده بابتسامة تعلو وجهه، مردفاً بالقول: "دور الفنان في ظرفٍ كهذا، أن يكون إنسانياً ويساعد قدر المستطاع".

الفن قوة شفائية

يحمل "مأوى الفنانين" فكرةً قوامها محاولة إعادة بناء الروح الجماعية التي بعثرتها الحرب.

 وبدوره، يوضح لنا حرب جوهر تلك الفكرة: "قررنا أن نفتح أبواب ما تبقّى من المكان. هدفنا ليس الرسم فقط، بل خلقَ مساحةٍ آمنة يلتقي فيها الفنانون، حيث يحتسون فنجان القهوة، ويتحدثون عن أحلامهم التي لم تأفل".

"إلى أي حدٍ تؤمن أن الفن قوةٌ إنسانية؟" جوابه عن السؤال بدا محسوماً: "لا شك أن الفن قوة قادرة على التعبير والشفاء، وبناء الجسور بين الثقافات والمجتمعات، نسعى بتنفيذ هذه المبادرة إلى توفير بيئةٍ آمنة، محفّزة، وداعمة للفنانين، تُمكّنهم من الإبداع بحرّية، وتساعدهم على تطوير مشاريعهم الفنية في مختلف المجالات".

 المثير للاهتمام، أن التفاعل مع المأوى كان مذهلاً، حسب تعبيره، حيث تدفقت طلبات المشاركة، خاصة من الشابات، للانضمام إلى الورش المنعقدة، وقد فوجئ الفنانون بوجود مكانٍ ما يزال يؤمن بقوة الفن وقدرته على ترميم الروح.

  ومن الأهداف اللافتة للمأوى، سدّ الفجوة بين جيل الفنانين الأكبر سناً وجيل الشباب، مبيناً: "نبذل قصارى جهدنا لنقدم حصاد خبرتنا لهذا الجيل، لنكون على الموجة ذاتها من تبادل الخبرات".

تحديات وطموحات

تُرى ماذا عن التحديات؟.. بطبيعة الحال لم يكن إحياء الروح الفنية في "مأوى الفنانين" مهمةً سهلة، فقد واجه محمد حرب وفريقه مصاعب عدة، أولها غياب الأدوات الفنية التقليدية، وانقطاع الطلاب عن جامعاتهم، إلا أن الحلَ انبثق من التركيز على الفن الرقمي والتكنولوجيا، كونها بديلاً إبداعياً.

ويستشهد بــ "الفن في الخراب" مثالاً، وهو عنوان ورشة عمل "مزدوجة المسار"، وتقوم على تدريب المشاركين على رسم الأشياء التي رأوها مدمرة، بخلقهم فناً من تحت الأنقاض، وذلك بواسطة الفن التشكيلي التقليدي بما هو متاح، وفي الوقت ذاته، لم تغفل الورشة الرسم عن طريق الكاميرا، والاستعانة بفن الفيديو.

ويلجأ المأوى إلى التواصل الرقمي للتغلب على عزلة المدينة، فما بين وقت وآخر، يستضيف فناناً من غزة أو من الخارج عبر الإنترنت، ليناقش أفكار المشاركين، ويتدارس معهم تجاربَ الفن ومدارسه المختلفة.

ومن المُنتظر، أن تُتوج هذه الجهود نهاية شهر يناير/ كانون الثاني، إذ يُخطِط "المأوى" لتنظيم أول مهرجانٍ فني بعد الحرب، ومن المقرر أن يَعرض أعمال المشاركين، لتكون بمثابة الانطلاقة الرسمية لـ "جاليري غزة" من جديد.

كاريكاتـــــير