شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م12:49 بتوقيت القدس

أُجلوا في حضّانات وانقطعت أخبارهم..

عودة "الخدج" تُنقذ ذاكرة الأمومة "المبتورة" بغزة

02 ابريل 2026 - 10:56
سندس الكرد تحتضن طفلتها لأول مرة
سندس الكرد تحتضن طفلتها لأول مرة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عامان بل أكثر، مرّا على سندس الكرد بثقل العمر كله.. ثلاثون شهرًا من الانتظار المعلّق بين احتمالين قاسيين، أن تكون طفلتها ما زالت على قيد الحياة، أو أنها لحقت بشقيقتها الوحيدة حبيبة الرحمن.

ظلّ هذا السؤال ينهش قلبها بصمت، حتى جاءت الإجابة أخيرًا، لا على هيئة صوتٍ أو خبرٍ واضح، بل عبر "سوارٍ بلاستيكي صغير"، كُتب عليها "ابنة سندس الكرد"، ذاك الذي يُربط في يد المولود/ـة لحظة خروجه إلى الحياة.

عندها فقط، بدأ الدعاء الطويل يجد طريقه إلى الاستجابة. في ساحة مجمع ناصر الطبي، كانت سندس تنتظر جزءًا مفقودًا من روحها، وتمسك بثوبٍ فلسطيني نسجته بيديها، غرزةً غرزة، كما لو أنها تخيط به سنوات الغياب.

 كل خيطٍ كان يحمل شوقًا مؤجّلًا، وكل تفصيلةٍ كانت محاولةً لاختصار عامين ونصف بلحظة لقاء.. طوال الوقت كانت تسأل نفسها: "هل ستعرفني؟ هل ستمد يديها نحوي؟"، ثم تحدث نفسها وكأنها تحاول إقناعها: "أشعر أنها وُلدت اليوم، في لحظة احتضاني لها".

منذ أكتوبر 2023م، لم تعد حياة سندس سوى سلسلة متصلة من الفقد، حيث أُخرِجت من تحت الأنقاض مصابة، وفي اليوم ذاته فقدت ابنتها الكبرى، بينما كانت تضع رضيعتها بيسان.

لم تمهلها الحرب وقتًا لتلتقط أنفاسها أو ترى طفلتها، إذ اضطُرت لمغادرة المستشفى تحت القصف، تاركةً خلفها مولودة لم تحتضنها ولو مرة واحدة.

منذ تلك اللحظة، عاشت على حافة الاحتمال، أن تكون الطفلة قد رحلت، أو أنها تقاوم وحدها في مكانٍ ما.

يمرّ الوقت في غزة ببطءٍ قاسٍ، لكن لحظة الوصول جاءت أخيرًا.. حين توقّفت الحافلة وبدأ الأطفال بالنزول، ارتفعت دقات القلوب في صدور الآباء والأمهات، كأنها تعلن بداية حياةٍ جديدة.

هنا، لقاءاتٌ تأخرت أكثر مما ينبغي، وأطفال كبروا بعيدًا عن وجوه أهاليهم، لا يعرفون ملامحهم ولا أصواتهم.

لم تكن العودة مجرد انتقالٍ مكاني، بل استعادةً لعلاقات انقطعت قبل أن تبدأ.. أمهاتٌ يحتضنّ أطفالهن للمرة الأولى، وآباء يقفون مرتبكين أمام وجوهٍ لا تعرفهم.

عامان ونصف من الغياب، عاشها هؤلاء الصغار دون حضنٍ يُعرّفهم إلى العالم، ودون ذاكرةٍ تحفظ تفاصيلهم الأولى.

في هذا المشهد، لم تكن العودة مجرد انتقالٍ مكاني، بل استعادةً لعلاقات انقطعت قبل أن تبدأ.. أمهاتٌ يحتضنّ أطفالهن للمرة الأولى، وآباء يقفون مرتبكين أمام وجوهٍ لا تعرفهم.

بين هؤلاء، وقف أحمد الهرش، يحمل بين ذراعيه ما تبقّى له من العالم! قبل عامين ونصف، خسر كل شيء دفعةً واحدة؛ غارةٌ إسرائيلية أصابت زوجته إصابات بالغة، وظنّ أنها استُشهدت كما بقية العائلة، لكنها بقيت تقاوم يومين، قبل أن تَلد طفلها في شهره الثامن، ثم تُفارق الحياة، فيما نُقل الطفل لاحقًا مع قوافل الخُدّج إلى مصر.

يقول بصوتٍ مثقل بالقهر والغصة: "اقتصرت علاقتي بطفلي على صور ومقاطع فيديو، كانت قاسية بقدر ما كانت مطمئنة؛ أراه دون أن أستطيع ضمّه إلى صدري، دون أن يسمع صوتي أو يناديني".

عامان ونصف، لم يعرف الطفل خلالها أبًا ولا أمًا، واليوم، حين التقاه أخيرًا، لم يكن المشهد عاديًا، ضمّه بقوةٍ كما لو أنه يخشى أن يُنتزع منه مرة أخرى، ثم قال: "أريده أن يعرفني، أن يشعر بوجودي كأب، يكفي أنه فقد أمه يوم وُلد، وهو ما يجعل فرحتي ناقصة".

وفي زاويةٍ أخرى، كانت روان الوادية تحتضن طفلتها شام، محاولةً أن تبدأ أمومةً تأخرت كثيرًا.

خرجت الطفلة إلى جنوبي القطاع في ذروة القصف، دون أن تعرف والدتها إن كانت ما تزال على قيد الحياة أم لا، وبعد قرابة شهر، وصلها الخبر: "شام نجت".

منذ ذلك الحين، بدأت رحلة انتظارٍ مختلفة، مزيجٌ من الأمل والقلق، ومحاولات متقطعة للتواصل مع الطواقم الطبية للاطمئنان عليها.

لم تكن هناك لغةٌ تجمعهما، فاللغة في مثل هذا العمر تختصرها لمسة الأم، ودفء حضنها، وقبلةٌ على الجبين.

اليوم، تحاول روان أن تستعيد ما فاتها، أن تبني علاقةً لم تتح لها فرصة أن تبدأ في وقتها الطبيعي، تضمّ طفلتها كمن يخشى أن يضيع منها الزمن مرةً أخرى، وتُراكم لحظاتٍ صغيرة لتعويض غيابٍ طويل، وكأنها تعلن أن الأمومة، وإن تأخرت، لا تموت.

تحاول روان أن تستعيد ما فاتها، أن تبني علاقةً لم تتح لها فرصة أن تبدأ في وقتها الطبيعي، تضمّ طفلتها كمن يخشى أن يضيع منها الزمن مرةً أخرى، وتُراكم لحظاتٍ صغيرة لتعويض غيابٍ طويل.

في غزة، كل لقاءٍ يحمل في طيّاته غيابًا، وكل فرحٍ يجاوره نقص، ومع ذلك، يصرّ سكانها على أن يبدأوا من جديد، أن يعيدوا تعريف العلاقات وإن كانت بين آباء وأبناء، ولو بعد عامين ونصف من الانقطاع.

كأنهم، في كل عناقٍ متأخر، يحاولون ترميم ما كُسر، والإمساك بالحياة من طرفها الهش، قبل أن تفلت مرةً أخرى.

كاريكاتـــــير