غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في زاوية هادئة من مخيم المغازي وسط قطاع غزة، تبدأ آمال أبو منديل محاولةً جديدةً للحياة. لم تعد الأراضي الزراعية في منطقتها كما كانت، ولا الحظائر التي كانت تضجُّ بأصوات الدجاج والماشية بقيت على حالها، لكن آمال اختارت أن تبدأ من جديد، مستندة إلى ما تملكه من معرفة وعزيمة.
وسط الدمار الذي طال الزراعة وتربية الحيوانات خلال الإبادة، أطلقت مشروعًا صغيرًا يقوم على إنشاء فقاسة لتفريخ البيض المخصب وإنتاج الصوص البلدي.
"لم يكن المشروع مجرد مصدر دخل، بل محاولة لإعادة تشغيل دورة إنتاج تعطلت بفعل الحرب، ومساندة النساء اللواتي يعتمدن على تربية الدجاج البلدي كمصدر رزق".
بالنسبة لها لم يكن المشروع مجرد مصدر دخل، بل محاولة لإعادة تشغيل دورة إنتاج تعطلت بفعل الحرب، ومساندة النساء اللواتي يعتمدن على تربية الدجاج البلدي كمصدر رزق.
لكن الطريق الذي قادها إلى هذه التجربة لم يكن سهلًا. فقد تغيرت حياتها بالكامل بعد إصابة زوجها خلال حرب عام 2014م بقطعٍ كاملٍ في النخاع الشوكي، ما تسبب له بشلل نصفي دائم، ومنذ ذلك الوقت وجدت نفسها مسؤولة عن رعايته وإعالة أسرتها، في ظل غياب أي مصدر دخل ثابت.
تقول: "لعدة سنوات انشغلتُ بتدبير شؤون الحياة اليومية، قبل أن تلوح أمامي فكرة المشروع مصادفة أثناء تصفحي مواقع التواصل الاجتماعي"، شارحةً بحماسة: "لفت انتباهي إعلان يدعو للمشاركة في مبادرات ريادية لدعم القطاع الزراعي، وكنتُ أمتلك معرفة بسيطة اكتسبتُها من بيئتي العائلية حول تربية الدجاج والأغنام، فبدأتُ أُفكر في تحويل تلك الخبرة المحدودة إلى مشروع يناسب ظروفي".
التحقت آمال لاحقًا بملتقى غزة للزراعة الحضرية، حيث تعرّفت إلى نساء يدِرن مشاريع صغيرة في الإنتاج الحيواني والتصنيع الغذائي، وهو ما شجعها على خوض التجربة بجدية، ثم انضمت إلى برنامج "التعليم من أجل التوظيف"، وتلقت تدريبًا ساعدها على فهم أساسيات إدارة المشاريع الزراعية.
بدأت مشروعها عبر تسويق البيض البلدي الذي تنتجه مربيات الدجاج في المنطقة، كانت تجمع البيض أسبوعيًا من نحو خمسين مربية، وتقوم بفرزه وتسويقه للمحال التجارية وأصحاب الفقاسات، ومع الوقت توسع العمل تدريجيًا، حتى أسست مزرعة خاصة وصل عدد الدجاج فيها إلى أكثر من مئتي طائر، وأضافت إليها تربية أغنام العساف والحمام.
لكن الحرب الأخيرة بددت سنوات من الجهد، بعدما تضررت المزارع وتوقفت معظم الأنشطة الإنتاجية.
تخبرنا: "اضطررت حينها إلى البحث عن مصدر دخل بديل، فاتجهت مؤقتًا إلى إعداد بعض الحلويات المنزلية لتأمين احتياجات أسرتي"، ومع أول فرصة للعودة، استأنَفَت مشروعها من جديد عبر إنشاء فقاسة لإنتاج الصوص البلدي.

تتذكر اللحظة الأولى التي فقس فيها الصوص بشعور من الفخر، وكأنها تشهد ولادة جديدة لمشروع كاد أن يختفي تحت أنقاض الحرب.
ورغم ما حققته من تقدم، ما يزال المشروع يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الانقطاع المتكرر للكهرباء الذي يؤثر مباشرة على عمل الفقاسة ونسبة الفقس، كما تشكل تكاليف الكهرباء التجارية عبئًا إضافيًا يهدد استمرارية العمل.
ومع ذلك، لا تنظر آمال إلى مشروعها بوصفه طريقًا للأرباح الكبيرة، بقدر ما تراه وسيلة للاستمرار، "فبقاء المشروع قائمًا، حتى بعائدٍ محدود، يعني لي مصدر دخل يحفظ كرامة أسرتي، ويفتح باب رزق لنساء أخريات يحاولن الصمود في واقعٍ لا يكف عن اختبار القدرة على البقاء" تختم.
























