غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
حين يقترب أذان المغرب، لا تنشغل مها وافي بحساب الدقائق المتبقية للإفطار، بل تعدّ سنوات الغياب. ها هو رمضان الثالث يحلّ، وزوجها المسعف أنيس الدنيا الأسطل، مغيّب في سجون الاحتلال منذ ديسمبر 2023م.
تقول بصوتٍ يختلط فيه الثبات بالإنهاك: "الأخبار عنه شحيحة، وإن وصلت لا تحمل ما يكفي لطمأنة قلبٍ يظل مستيقظًا حتى الفجر. مع حلول الليل، تتكاثر الهواجس، ويتسع القلق، كأن العتمة تضاعف المسافة بيننا".
كان أنيس يؤدي مهمته الإنسانية، متجهًا من جنوبي القطاع إلى شماله لإجلاء مرضى من مستشفى كمال عدوان، وعند حاجزٍ عسكريٍ قرب "نتساريم" انقطعت أخباره.
في ذلك اليوم، كان أنيس يؤدي مهمته الإنسانية، متجهًا من جنوبي القطاع إلى شماله لإجلاء مرضى من مستشفى كمال عدوان، وعند حاجزٍ عسكريٍ أقامه الاحتلال قرب "نتساريم" انقطعت أخباره، وبدأ فصل جديد من حياة أسرته، عنوانه الانتظار.
منذ تلك اللحظة، تبدّل كل شيء؛ نزوح متكرر، خوف دائم، وأبناء يسألون عن والدهم كل مساء، فيما لا تملك لهم أمهم سوى كلمة واحدة تختصر بها خوفها قبل أن تخفف عنهم: "بخير". هي كلمة صغيرة، لكنها أثقل من أن تحملها وحدها، في ظل ما يُروى عن انتهاكات تمارس داخل السجون.
تضيف مها: "رمضان لم يعد كما كان.. كان الشهر موسم دفء عائلي، يحرص فيه أنيس على أن يكون مختلفًا، يتشارك معنا بإعداد الإفطار، ونتفق على طبق اليوم التالي. اليوم، ورغم توفر بعض الأصناف في الأسواق مقارنة بالعام الماضي، تبدو المائدة باردة، بلا روح".
البيت الذي جمعهما لم يعد قائمًا كما في الذاكرة، والنزوح أرهق التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع بهجة الشهر. كل ما تريده مها الآن خبرٌ واحد: أنيس الدنيا سيكون حرًا قريبًا.
وتتساءل مها عن صمت عربي وإسلامي ودولي إزاء ما يتعرض له الأسرى، وعن حرمانهم من أبسط طقوس الشهر الفضيل، حتى إن بعضهم لم يعلم بدخول رمضان إلا صدفة خلال جلسة محاكمة. في تلك الفجوة بين الخبر والانتظار، يتآكل اليقين، ويبقى الرجاء معلقًا على إشاعة أو قائمة أسماء قد تحمل الفرج.
على أطراف مدينة أصداء في مواصي خان يونس، جنوبي القطاع، تتكرر الحكاية بملامح أخرى. في خيمةٍ تضيق بسكانها، ترتب أم خميس أبو طه أطباقًا بسيطة فوق بساطٍ أرضي، وتترك مكانًا فارغًا تحفظه لصاحبه.

منذ 30 كانون الأول/ ديسمبر 2023م، لم يعد زوجها المسعف عبد الله أبو طه، من مهمته الإنسانية التي خرج لأجلها. كان في طريقه لنقل حالة من مستشفى الشفاء وسط مدينة غزة إلى الجنوب، لكن الحاجز ذاته حوّل الطريق إلى غياب قسري طال لأكثر من عامين.
ستة أشهر كاملة مرّت قبل أن يصلها أول خبر عنه عبر أسيرٍ محرر. لم تتلق إشعارًا رسميًا، ولا رسالة تطمئنها! فقط جملة مقتضبة تفيد بأنه ما زال على قيد الحياة.
تضاعفت المسؤوليات فوق كاهل أم خميس فجأة: قُصف المنزل، وتكرّر النزوح، وباتت تدير حياة كاملة داخل خيمة، براتب يصل كل شهرين، غالبًا بعملة تالفة لا تكفي لمواجهة الغلاء.
منذ ذلك اليوم، تعيش بين خبر يمنحها خيط أمل، وآخر يثقل قلبها. في كل إعلان عن إفراج جديد، يتسارع نبضها، فتبحث عن اسمه بين القوائم كما لو كانت تبحث عن خلاصها الشخصي.
وتتساءل: "كيف يُترك مسعف كان يؤدي واجبه الإنساني كل هذا الوقت خلف القضبان؟".
تضاعفت المسؤوليات فوق كاهلها فجأة: قُصف المنزل، وتكرّر النزوح، وباتت تدير حياة كاملة داخل خيمة، براتب يصل كل شهرين، غالبًا بعملة تالفة لا تكفي لمواجهة الغلاء، غير أن الضيق المادي ليس ما يؤلمها أكثر، بل ما تسمعه عن أوضاع السجون؛ عن التجويع والضرب والإهمال الطبي والعزل.
في كل شهادة، ترى صورته، وتتخيله يتنقل من سجن إلى آخر، وحيدًا، يواجه الألم بصمت.
قبل ستة أشهر، رحلت والدة زوجها بعدما أمضت شهور الإبادة تترقب خبرًا عنه، "كانت تتمنى أن تحتضنه مرةً أخيرة، لكن قدر الله كان أسبق" تعقب.
قبل ستة أشهر، رحل والد زوجها بعدما أمضى شهور الإبادة يترقب خبرًا عنه، "كان يتمنى أن يحتضنه مرةً أخيرة، لكن قدر الله كان أسبق" تعقب.
رحيله لم يكن فقدًا عابرًا، بل شرخًا جديدًا في جدار عائلة أنهكها الغياب كما تصف السيدة، التي تعيش اليوم مع أطفالها الثلاثة وووالدة زوجها واثنين من أشقائه في خيمة واحدة، يتقاسمون ضيق المكان واتساع القلق، ويتمسكون بأمل يتجدد كل مساء بأن يعود.
بين موائد ناقصة وخيامٍ تضيق بأهلها، يقف رمضان شاهدًا على غيابين: غياب الأسرى خلف القضبان، وغياب الطمأنينة عن بيوت تنتظر.
المسعفون الذين خرجوا لإنقاذ الأرواح، يحتاجون إلى من ينقذهم. وفي كل بيت قصة، وفي كل قصة قلب معلّق بين حاجز وسجن، لا يطلب سوى عودة تُعيد للموائد دفأها، وللبيوت أسماءها، وللانتظار نهايته.
























