غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بصوت خافتٍ ضاع وسط همهمات الباعة والمشترين في أحد أسواق مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، تسأل أم سليمان شاهين عن أسعار التمر والحلاوة الطحينية والأجبان والألبان.
تمرر يدها فوق السلع المصفوفة على الرفوف كمن يلامس أشياء لا يملكها، فمنذ أن نزحت إلى مدينة خان يونس جنوبي القطاع مع بدء الإبادة، لم يعد السؤال عن الأسعار ترفًا عابرًا، بل امتحانًا يوميًا لقدرتها على الاحتمال.
تقول: "الأمرُ ليس سهلًا، لا أعرف كيف سأدبّر شؤوني في شهر رمضان. خلال الأشهر الماضية، كنت أتكئ على ما يتوفر: مساعدات متقطعة، أو دخل بسيط من بيع "الدُّقّة" التي تعلمتُ إعدادها في زمن الحرب لأعين أسرتي. لم يكن ما أجنيه يسد الحاجة، لكنه كان يمنحني شعورًا بأنني ما زلت قادرة على فعل شيء".

رمضان، بالنسبة لها، ليس شهرًا عاديًا. له طقوسه التي كانت تحفظها كما تحفظ ملامح أبنائها، لكن الأسعار المرتفعة، التي ازدادت مع بدء أول أيام الشهر، تجعلها عاجزة حتى عن شراء القليل مما قد يُدخل الفرح إلى قلوب أطفال أنهكهم عامان من الخوف والجوع.
تخبرنا بغصّة أن قدرتها الشرائية لا تحتمل، وأنهم (تقصد هي وعائلتها) منذ سريان وقف إطلاق النار لم يشتروا اللحم إلا مرات معدودة.
وتتساءل كيف سيكون رمضان هذا العام؟ وهو الشهر الذي كانت تبدع فيه بطهو أصناف مختلفة، فقط لترى ابتسامة صغيرة ترتسم على وجوه أفراد العائلة عند الإفطار.
ليست أم سليمان وحدها في هذا المأزق، فالأسواق تبدو ممتلئة، لكن الجيوب خاوية. البضائع تتدفق، غير أن القدرة على الشراء تتضاءل في ظل إبادة التهمت موارد القطاع، وأفقدت معظم العائلات مصادر دخلها.

الفقر تجاوز تسعين في المئة، وفق تصريحات رسمية، وأصبح العجز حالةً عامة لا استثناء فيها. إلى جانب ذلك، تستمر أزمة السيولة والعمولات والعملات التالفة، فتتآكل ما تبقى من قدرة الناس على الصمود.
أم أحمد صقر بدورها، تحاول أن تتهرب من نظرات أبنائها، ومن أسئلتهم المؤجلة منذ عامين. تقضي رمضان بأقل القليل، وتعتمد في معظم الأيام على طعام التكايا.
يسألونها: ماذا سنشتري؟ ماذا سنطبخ في اليوم الأول؟ هل سيكون هناك لحم وفاكهة ومكسرات؟ هل ستحضرين لنا القطائف بحشواتها المختلفة؟ "أسئلة مشروعة"، تقول، "لكنها أثقل من قدرتي على الإجابة" تستدرك.
جولة واحدة في السوق كانت كافية لتدرك أنها لن تستطيع توفير تلك المتطلبات. شعرت بثقل في صدرها، وتمنت لو أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه قبل الإبادة.
"صحيحٌ أن البضائع عادت إلى الأسواق مع وقف إطلاق النار، وانخفضت بعض الأسعار، لكنها لم تعد إلى سابق عهدها، ومع اقتراب رمضان أخذت ترتفع من جديد".
"صحيحٌ أن البضائع عادت إلى الأسواق مع وقف إطلاق النار، وانخفضت بعض الأسعار، لكنها لم تعد إلى سابق عهدها، ومع اقتراب رمضان أخذت ترتفع من جديد" تزيد بقهر، مطالبة بمتابعة جدية للأسعار وخفضها، حتى يتمكن المواطن من تغطية احتياجات عائلته في شهر يفترض أن يكون مساحة للطمأنينة، لا ساحة قلق إضافية.
من جانبه، لم تعد نسرين أبو مصطفى، قادرة على استقبال رمضان كما في السنوات الماضية. "لم تعد هناك خطة أو ميزانية، بل حياة نعيشها يومًا بيوم" تقول.
لقد فقَد زوجها عمله، وفقدوا بيتهم ومدخراتهم. لا تعرف كيف سيمر اليوم الأول ولا ما سيليه، وهم بلا مصدر دخل، ينتظرون ما قد يصل من مساعدات أو ما يُطهى في التكية المجاورة. "صار الانتظار هو الخطة الوحيدة الممكنة" تعقب بحرقة.
حتى من كانوا يُعدّون في عداد الميسورين نسبيًا لم يعودوا كذلك. الموظفون في غزة يتقاضون سيولة يغلب عليها التلف، لا تكفي لتغطية نفقات شهر تتكاثر فيه الزيارات والمصاريف، وموظفو السلطة الفلسطينية لم يحصلوا بعد إلا على نصف راتبهم المقرر لشهر فبراير، ما انعكس بوضوح على حركة الشراء في الأسواق.
"السوق يواجه ضغوطًا متعددة، منها الأوضاع الميدانية الأمنية والشائعات حول احتمال إغلاق المعابر، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار".
بدورها، تؤكد وزارة الاقتصاد بغزة في بيانات صحفية، أنها تتابع أوضاع الأسواق، وتعمل ضمن الإمكانيات المتاحة على ضبط الأسعار ومنع الاستغلال عبر جولات رقابية واستقبال شكاوى المواطنين.
وتشير إلى أن السوق يواجه ضغوطًا متعددة، منها الأوضاع الميدانية الأمنية والشائعات حول احتمال إغلاق المعابر، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار، لافتةً إلى أنها رصدت انخفاضًا في حجم التوريد من بعض التجار ضمن سياسة تقنين العرض لتحقيق مكاسب، إضافة إلى تراجع توريد سلع معينة مثل اللحوم المجمدة؛ بسبب نقص ثلاجات التخزين، وتراجع شاحنات المساعدات.
بين رفوف ممتلئة وموائد فارغة، يقف رمضان على عتبة غزة هذا العام مثقلًا بالأسئلة. الأمهات لا يطلبن المستحيل، بل حدًا أدنى من القدرة على الفرح؛ بعض التمر، وقطعة لحم، وطبق قطايف يرمم ذاكرة الأطفال، لكن في مدينةٍ أنهكتها الإبادة والنزوح، يبدو حتى هذا الحد الأدنى رفاهيةً بعيدة، فيما تحاول القلوب أن تصوم عن القهر بقدر ما تصوم عن الطعام.
























