غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بين نارين تقف غدير الشمالي، يتنازعها العجز والحيرة. طفلها محمد، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، مجبر على ارتداء قناعٍ بلاستيكيٍّ ضاغط، في مواجهة نسيجٍ وحشيّ يتمدد في وجهه، تاركًا آثارًا وتشوهات قاسية على ملامح طفولته الصغيرة.
ما أن يلمح محمد القناع حتى يبدأ بالصراخ، وتقول والدته غدير شمالي بصوتٍ مثقلٍ بالهم: "لا أعرف إن كنتُ أنصاع لتوسلات طفلي وصراخه الرافض للقناع، أم ألتزم بتعليمات الأطباء التي تؤكد ضرورة إبقائه على وجهه قرابة عشرين ساعة يوميًا".
"لجأنا إلى مدرسة مصطفى حافظ بحثًا عن الأمان، ولم يخطر ببالي أن يتحول مكان اللجوء إلى مسرح جريمة يغيّر ملامح طفولة ابني إلى الأبد".
محمد أبو حجيلة ليس طفلًا مريضًا منذ الولادة. كان طفلًا عاديًا، حتى تلك الليلة التي غيّرت كل شيء. فقد أُصيب بحروق عميقة من الدرجة الثالثة جراء قصفٍ إسرائيلي استهدف مكان نزوح العائلة. عن تلك الليلة تخبرنا: "لجأنا إلى مدرسة مصطفى حافظ بحثًا عن الأمان، ولم يخطر ببالي أن يتحول مكان اللجوء إلى مسرح جريمة يغيّر ملامح طفولة ابني إلى الأبد".
في فجر إحدى ليالي الإبادة الطويلة، تعرّض مركز الإيواء في مدرسة مصطفى حافظ، بمدينة غزة، لقصفٍ مباشر. اخترقت إحدى القذائف جدران الغرفة التي كانت تضم طفلها النائم، ليبدأ محمد رحلة الألم قبل أن يبدأ حياته.
بعد ثلاثة أيام فقط، تعقّدت حالته الصحية. ارتفعت درجة حرارته بشكل حاد، وأُصيب بإسهالٍ مستمر، فيما غطّت الحروق نحو 15% من جسده.
لم يكن هناك خيار سوى نقله إلى مستشفى أطباء بلا حدود، حيث بدأت مرحلة أخرى من المعاناة. تضيف: "هناك شُخِّصت حالته بتسممٍ معوي، ودخل في رحلة علاج شاقة استمرت لأسابيع (..) أمضى قرابة شهر كامل في العناية المتوسطة، وخضع لعدة عمليات ترقيع جلدي بسبب الحروق البليغة التي أصابت جسده".
وبينما تجاوز محمد مرحلة الخطر الأولى، بدأ خطرٌ آخر يلوح في الأفق. أُصيب بمضاعفات تُعرف طبيًا باسم "النسيج الوحشي"، وهو مرض ناتج عن الحروق العميقة، يؤدي إلى نمو وتمدد غير طبيعي للأنسجة، مسببًا تشوهات واضحة في الجلد، لا سيما في الوجه.
بحسرةٍ تتابع والدته: "اضطررنا، وفق توصيات الأطباء، إلى وضع قناع بلاستيكي ضاغط محلي الصنع، في محاولة لوقف تمدد النسيج الوحشي. يُجبر محمد على ارتدائه قرابة عشرين ساعة يوميًا".
لكن القناع، الذي يُفترض أن يكون وسيلة علاج، تحوّل إلى مصدر خوف دائم للطفل. "ما أن يراه حتى يبدأ بالصراخ. يخاف منه، وأضطر طوال الوقت للضغط عليه في محاولة لإبقائه على وجهه، لكن الأمر بالغ الصعوبة" تزيد أمه.
وتشير غدير إلى أن القناع يُعد ضرورة في ظل تعثر العلاج داخل قطاع غزة، إذ يساعد على منع تمدد الجلد وتقليل التشوهات، إلا أن آلية عمله قاسية على طفل في مثل عمر محمد، لا يفهم لماذا يُحاصر وجهه بهذا الشكل يوميًا.
ولا يُسمح لمحمد بإزالة القناع إلا لفترات قصيرة لتناول الطعام أو الشراب أو تبديل ملابسه. انعكس ذلك سلبًا على حالته النفسية وحياته اليومية، ووفقًا للأطباء، يتطلب العلاج التزامًا طويل الأمد قد يمتد إلى ستة أشهر، وفي حال استمرار نمو الأنسجة، لن يكون التدخل الجراحي خيارًا مؤجلًا.
تؤكد غدير أن التحسن في حالة ابنها ما يزال محدودًا، لا سيما مع صعوبة التزامه بالقناع، وتوضح أن هناك بدائل علاجية أكثر تطورًا قد تساعده على التعافي وتقليل التشوهات، لكنها غير متوفرة داخل القطاع المحاصر.
وفي ختام حديثها، تختصر غدير كل ما تبقى لها من رجاء بقولها: "لا أطلب معجزة. أريد فقط أن يحصل محمد على العلاج الذي يحتاجه. أن يُتاح لنا الخروج للعلاج أو إدخال الدواء. أريد لابني أن يعيش كطفلٍ طبيعي، دون ألم، ودون هذا الخوف الذي يرافقه كل يوم عند ارتداء القناع".
























