غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لا شيء يوحي بأن المكان قابلٌ للحياة. أطنان من الركام تصطفّ على جانبي طريق جمال عبد الناصر بخان يونس، جنوبي قطاع غزة. الطريق الذي كان يومًا شريانًا يصل المدينة بأطرافها، حين كانت تضجّ بالحركة والناس.
اليوم، يخلو المشهد من أي حراك، سوى محاولات خجولة لنازحين قرروا العودة إلى ركام بيوتهم المقصوفة. يعودون رغم كل شيء، ورغم انعدام مقومات الحياة، مدفوعين بعزيمة عنيدة وإرادة للتمسّك بالجذور.. هنا، حيث كانت ذات يوم حياة.
"هنا كان بيتي، لكنه تحوّل إلى ركام. بنيته ليكون مأمنًا لأبنائي من بعدي (..) في نزوحنا الأول بقي صامدًا، لكن عندما نزحنا في مايو الماضي، أتى الاحتلال على كل شيء".
"هنا كان بيتي، لكنه تحوّل إلى ركام. بنيته خمسة طوابق ليكون مأمنًا لأبنائي من بعدي (..) في نزوحنا الأول بقي صامدًا رغم إصابته ببعض القذائف، لكن عندما نزحنا في مايو الماضي، أتى الاحتلال على كل شيء، ولم يُبقِ ولم يذر في هذا الحي"، تقول الأربعينية أم أحمد عامر، وهي تشير إلى كومة الحجارة التي كانت يومًا ما منزلها.
تتابع بصوت مثقل بالخذلان: "لم أفرح ببيتي، ولم نتمكن من تسديد أقساط بنائه. عشنا سنوات في مخيم خانيونس، نجمع القرش على القرش لنشتري قطعة أرض في منطقة السطر الغربي ونبني عليها بيت العمر"، ثم تضيف بمرارة واضحة: "لم نسكنه سوى عام واحد، وما زالت علينا أقساط لأكثر من عشر سنوات، وها هو منزلنا اليوم كومة من الركام".

تحاول عائلة أم أحمد إعادة إنتاج الحياة من قلب الخراب. "أخرجنا بعض الحجارة، وبنينا من الطين ما استطعنا، فقط لنتمكن من العودة إلى المكان"، تقول، وكأن العودة بحد ذاتها فعل مقاومة.
ما يثقل كاهل العائلة أكثر أن المكان، الذي كان متنفسًا للأقارب والأصدقاء الباحثين عن الهدوء، تحوّل بعد نزوح سكانه القسري إلى مرتع للكلاب الضالة، "قلة فقط امتلكت الجرأة للعودة، بينما بقي الخراب سيّد المشهد".
وتشكل عودة النازحين من مخيمات النزوح في منطقة المواصي إلى أحياء مدينة خانيونس المدمَّرة، محاولةً عنيدة لاستعادة الحياة وسط الركام رغم انعدام الخدمات واستمرار المخاطر. هذا التقرير يرصد واقعًا معيشيًا قاسيًا يختاره العائدون عن وعي، باعتباره أقل قسوة من النزوح الطويل في الخيام..
لا خدمات في مدينة خانيونس. السير لما لا يقل عن نصف ساعة بات ضرورة للوصول إلى أول بسطة، أو بقالة صغيرة، أو حتى صيدلية. لا مواصلات من وإلى المكان، وحتى المدرسة الوحيدة في المحيط تحتاج إلى مسافة طويلة للوصول إليها، ما يشكّل عبئًا إضافيًا على العائلات العائدة.

يواجه العائدون واقعًا معيشيًا بالغ القسوة في ظل الدمار الواسع وشحّ الخدمات الأساسية، وعلى رأسها المياه. تخبرنا يسرى شراب، التي دُمّر منزلها في منطقة جورة اللوت بالمدينة ذاتها أن عائلتها تقيم حاليًا في منزل شقيقة زوجها وسط المدينة، مؤكدة أن الحياة، رغم صعوبتها، تظل أقل قسوة من العيش في الخيام.
وتشير شراب إلى أن مياه البلدية لا تصل سوى مرة واحدة أسبوعيًا ولمدة ساعتين فقط، يتقاسمها عدد كبير من السكان، بحيث لا يتجاوز نصيب كل عائلة بضع دقائق لا تكفي للتعبئة من أجل للاستخدامات الأساسية، ما يضطر الأهالي أحيانًا إلى شراء السولار واستئجار مضخات لسحب المياه بتكلفة مرتفعة.
وتضيف: "نحتاج إلى توفر المياه بشكل منتظم يحفظ كرامتنا ويعزز صمودنا، ورغم الرصاص الطائش، قررنا البقاء بعد أن أنهكنا النزوح".
البقاء في وسط المدينة يظل خيارًا أقل قسوة من النزوح (..) هواء المدينة، رغم الخطر، أرحم من رياح المواصي العاتية".
من جهته، يقول فرج بربخ: "إن العودة إلى وسط المدينة كانت قرارًا واعيًا رغم المخاوف وحجم الدمار الهائل"، مشيرًا إلى أن بعض المحال التجارية بدأت بإعادة فتح أبوابها في محاولة خجولة لاستعادة مظاهر الحياة الطبيعية.
ويوضح أن البلدية تحاول توفير المياه قدر الإمكان عبر خطوط "مكروت"، إلا أن القصف ونسف المنازل وقذائف المدفعية ما زالت مستمرة ليلًا ونهارًا، ما يعزّز شعور السكان بأن الحرب لم تنتهِ بعد.
رغم ذلك، يؤكد بربخ أن البقاء في وسط المدينة يظل خيارًا أقل قسوة من النزوح، قائلًا:"هواء المدينة، رغم الخطر، أرحم من رياح المواصي العاتية".
























