شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 مايو 2026م15:39 بتوقيت القدس

في ظل تفشي أمراض سوء التغذية..

في غزة.. الأجنة أيضًا تموت جوعًا!

12 يونيو 2025 - 17:11

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمة صغيرة نصبت بساحة الجندي المجهول وسط مدينة غزة، تجلس مريم لبد، تنظر في الفراغ وكأنها تستعيد من ذاكرة ما قبل الإبادة تفاصيل حياة بدت وكأنها تعود لعالم آخر. كانت حاملًا بطفلها الأول قبل خمس سنوات، يومها كانت "تشتهي البرتقال"، وكان زوجها يجوب الأسواق لتلبيتها. اليوم، وهي في شهرها الرابع من حمل جديد، لا تملك غير البكاء جوعًا. تقول: "كنت أتدلل في وحامي، الآن لا أجد خبزًا أبيضًا.. أكلنا خبزًا من العدس، حتى الحلم لم يتركني، حلمتُ بالخوخ واستيقظت على صوت معدتي تقرقر".

مريم، كغيرها من آلاف النساء، هُدمت حياتها في بداية الحرب حين قصفت الطائرات الإسرائيلية منزلها في منطقة "السلاطين" ببيت لاهيا، فاضطرت للنزوح إلى وسط المدينة، حيث الخيمة، والغبار، والمجاعة، لكن الجوع الذي تعانيه لا يُشبه جوعًا طبيعيًا، بل هو جوع قاتل، يتغذى على جسدها، وجنينها.

إجهاضات جماعية

وزارة الصحة الفلسطينية سجّلت أكثر من 300 حالة إجهاض بين الحوامل في قطاع غزة منذ بداية الحرب، وأرجعت السبب إلى تفاقم سوء التغذية ونقص الرعاية الطبية، بينما تتواصل الحرب ويشتد الحصار، تمنع سلطات الاحتلال دخول الإمدادات الطبية والغذائية، ما يزيد من فتك المجاعة. النساء الحوامل، وهن من أكثر الفئات هشاشة، يدفعن الثمن الأكبر.

مريم لا تخفي شعورها بأنها فقدت بالفعل جنينها رغم أنه لا يزال في أحشائها، تقول: "أشعر بدوار دائم، لا أستطيع المشي، يطلب مني الأطباء شرب سوائل، لكن المياه المتوفرة مالحة.. وأحيانًا لا أجدها أصلًا. المكملات الغذائية حلم، ولو وُجدت، يكون ثمنها دم زوجي، يخاطر بحياته ليجلب لي ما تيسر من طعام".

تجربة مشابهة تعيشها عبير حمد، الحامل في شهرها السادس، حيث تعاني من نزيف متكرر وفقر دم حاد. "كلما رأيت الدم أشعر أنني أفقده.. انهيار نفسي قبل أن يكون جسدي"، تقول عبير، وتصف لحظة نقلها إلى المستشفى عبر عربة يجرها حمار: "أبكي طوال الطريق.. ليس فقط من الألم، بل من الخوف، من الجوع، من فكرة أنني سأفقده كما فقدته سابقًا".

في حربٍ سابقة، أجهضت عبير نتيجة سوء التغذية، وهذه المرة تخشى تكرار المأساة. "منذ شهرين لم نأكل فاكهة أو خضار، ونعيش على الخبز الجاف"، تضيف. تتلقى اليوم حقنًا لتثبيت الحمل، لكن الحصول عليها يشبه معجزة في ظل ندرة الدواء وتكدّس المستشفيات بالجرحى.

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن أكثر من 60 ألف امرأة حامل يعانين من صعوبة شديدة في تأمين الحد الأدنى من الغذاء، في وقت تكاد تنعدم فيه الفيتامينات والمكملات الغذائية. النساء الحوامل في غزة، ومعهن أجنة في أرحامهن، يقاتلن للبقاء على قيد الحياة وسط واقع لا يرحم، في ظل ما تصفه الأمم المتحدة بـ"الكارثة الإنسانية غير المسبوقة".

"منذ إغلاق المعابر في مارس 2025م، ازداد الوضع سوءًا. الأمهات الحوامل يصلن إلينا مرهقات، بعضهن لم يحصلن على رغيف واحد لأسبوعين".

الطبيب عدلي الحاج، أخصائي الولادة في مجمع ناصر الطبي، يقول لـ"نوى": "منذ إغلاق المعابر في مارس 2025م، ازداد الوضع سوءًا. الأمهات الحوامل يصلن إلينا مرهقات، بعضهن لم يحصلن على رغيف واحد لأسبوعين". ويضيف: "رأينا تشوهات في الأجنة، حالات إجهاض مبكر، فقر دم حاد، تسمم غذائي، بل حتى مضاعفات بعد العمليات القيصرية بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية".

نساء يلدن الموت.. لا الحياة

في واحدة من الحالات، وصلت امرأة شابة إلى المستشفى وقد أصيبت بتسمم شديد نتيجة ارتفاع ضغط الدم، وهي حالة شائعة بين الحوامل في غزة اليوم، بسبب نقص الغذاء والماء النظيف والرعاية. يعلق الطبيب: "الحرب لا تقتل فقط بالقنابل، بل بالجوع، بالإهمال، بحرمان إنسانة من حاجاتها البيولوجية الأساسية".

وتزداد معاناة الحوامل مع ضعف البنية التحتية الطبية في القطاع، الذي يعاني من انهيار شبه كامل في نظامه الصحي. إذ تعمل المستشفيات بأقل من 30% من طاقتها، فيما تتعرض بعض المرافق الطبية للقصف أو الإغلاق. وتؤكد تقارير أممية أن معدلات فقر الدم لدى النساء الحوامل في غزة تجاوزت 70% منذ بداية الحرب.

"لا أريد الكثير، فقط أن يولد طفلي.. أن أسمع صوته، أن أشمه، أن لا يموت كما مات كثيرون".

تقول عبير، وهي تضع يدها على بطنها المرتجف: "لا أريد الكثير، فقط أن يولد طفلي.. أن أسمع صوته، أن أشمه، أن لا يموت كما مات كثيرون". تضيف بصوت بالكاد يُسمع: "لو كُتب له النجاة، سيكون معجزة في زمن اللا معجزات".

هؤلاء النساء، ومن خلفهن جيل قادم مهدد بالموت قبل أن يرى الحياة، لا يطلبن سوى حق البقاء، حق الغذاء، حق الحلم. في غزة، حيث تموت النساء جوعًا، ويولد الأطفال مرضى، وتُمحى الحياة بصمت، يتحوّل الحمل من وعد بالحياة... إلى كابوس من الخوف والدماء.

كاريكاتـــــير