شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م08:52 بتوقيت القدس

مصابة بمرض "الاستسقاء" النادر وعلاجها خارج غزة..

لم تقتُل "آية" رصاصة.. لكن "الوقت" قد يفعل!

04 يونيو 2025 - 13:52

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في حضن والدها، تستلقي الطفلة آية أبو نحل، ذات الأربع سنوات، بعيون ذابلة وجسد أنهكه الألم، تقاوم مرض الاستسقاء الدماغي وسط منظومة صحية مدمرة بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023م.

 جسد آية الصغير لم يعد قادرًا على مقاومة المرض، والعلاج بات حلمًا بعيد المنال، في ظل الحصار، وانقطاع الدواء، وانسداد أفق السفر لتلقي العلاج في الخارج.

في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي الطبي للأطفال، غربي مدينة غزة، حاول الطاقم الطبي مرارًا تثبيت إبرة في وريد "آية" لتزويدها بالأدوية المتوفرة، لكن دون جدوى، فأوردة الطفلة لم تعد ظاهرة، ومع نقص المستهلكات الطبية بسبب تدمير المستشفى، ناشد الأطباء والدها مصطفى أبو نحل، للبحث عن وريد مركزي "وهذه مهمة مستحيلة في ظل دمار القطاع الصحي" يقول الأب.

واحدة من مليون

ولدت "آية" في 24 أبريل 2020م، وهي تحمل عيبًا خلقيًا نادرًا، أخبر الأطباء والدها أنها واحدة من كل مليون حالة مصابة بهذا النوع من الاستسقاء، وقد وُلدت بفتحة في الظهر كشفت عن الأوعية الدموية، ما استدعى عملية عاجلة لإغلاقها في الأسبوع الأول من ولادتها، ثم تبين لاحقًا أنها بلا عمود فقري، ولا حبل شوكي، وتعاني شللًا نصفيًا، وقد أجريت لها عملية زرع صمام في الرأس خلال أيامها الأولى.

ومنذ ذلك الحين، لم تعرف "آية" طعمًا للراحة، وتنقلت بين مستشفيات القطاع، في رحلة علاج شاقة، لكن دون أن يُسمح لها بالحصول على تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، بحجة أنها لم تُتم عامها الأول.

تنقل الأب بابنته من مستشفى لآخر بحثًا عن دواء، فالأدوية التي كانت تُستخدم لطرد الحديد والأملاح من جسدها نفدت، ما أدى لتكوّن الحصوات في الكليتين، وبدء رحلة من الألم مع التشنجات، وسوء التغذية، وتأخر النمو.

ومع اندلاع الحرب الضروس على القطاع، في السابع من أكتوبر 2023م، تفاقمت مأساتها، إذ تنقل الأب بابنته من مستشفى لآخر بحثًا عن دواء غير متوفر، فالأدوية التي كانت تُستخدم لطرد الحديد والأملاح من جسدها نفدت، مما أدى إلى تكون الحصوات في الكليتين، وبدء رحلة جديدة من الألم مع التشنجات، وسوء التغذية، وتأخر النمو.

ولم تعد آية تتناول سوى الحليب العلاجي، الذي فُقد بدوره من الأسواق، فاضطر والدها إلى إعطائها حليب الأطفال العادي، ما أثر على حالتها الصحية بشكل خطير.

يقول الأب لـ"نوى": "لا تأكل آية، شيئًا سوى الحليب، وتحتاج إلى خمس علب أسبوعيًا، بالكاد أستطيع توفير واحدة منها".

ويمضى بالقول: "وضعي الاقتصادي لا يسمح بتوفير الحليب العلاجي أو حتى طعام باقي أطفالي (..) بعض المبادرين والجمعيات الخيرية يوفرون لي القليل، لكن معظم احتياجات "آية" ما زالت مفقودة".

عجز وإنهاك

ويزيد أبو نحل بحرقة: "نزحنا جنوبًا هربًا من الحرب إلى جنوبي القطاع، واستقر بنا الحال في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، وهناك، نجت "آية" بأعجوبة من قصف استهدف الغرفة التي كانت ترقد بها، وأودى بحياة طفلة كانت بجوارها".

ويكمل الأب لتسعة أطفال: "منذ ولادتها ونحن نعيش في المستشفيات أكثر مما نعيش في البيت، وبمجرد أن تخرج، تعود سريعًا لسوء حالتها". اليوم، باتت "آية" في حاجة ماسة لعمليات جراحية لإزالة الحصاوي، وتغيير صمام الرأس، وزرع عمود فقري إن أمكن.

ومع تدهور الأوضاع، أصبحت "آية" -والقول لوالدها- غير قادرة على التبول دون قسطرة بولية، مما أدى لفشل كلوي حاد، أما الأدوية، فلا تتوفر لا في المستشفيات ولا في السوق، وحتى البدائل نادرة أو منتهية الصلاحية.

تتدخل والدتها، وتقول بعيون دامعة: "منذ ولادتها ونحن نتنقل بها بين المستشفيات، وقد دخلت في إحدى المرات غيبوبة لأسبوعين نتيجة عدم توفر الدواء، وباتت تعاني من تشنجات والتهابات في الدم، وزرقة في الجسد"، مناشدةً بضرورة السماح لها بالسفر للعلاج في الخارج.

وتسكن العائلة حاليًا في مخيم الشاطئ، غربي مدينة غزة، بعد عودتها من رحلة نزوح استمرت نحو 12 شهرًا، لكن لا أدوية، ولا حليب، ولا مستلزمات طبية متوفرة، "كل ما يتوفر لا يفي بالحد الأدنى من احتياجات الطفلة، التي ما زالت تُقاتل يوميًا لأجل البقاء" على حد تعبير والدتها.

وفي كل لحظة، يعيش والدا "آية" خوفًا كبيرًا عليها وعلى أشقائها من القصف، والمرض، والفقد. يحكي الأب: "أحيانًا أضطر لتركها بالمستشفى مع أمها، وأركض في الشوارع كالمجنون لأطمئن على أطفالي بعد أي قصف قريب، وقبل أيام، سقط صاروخ بجوار منزلنا ونجوا بأعجوبة".

شريان حياة

وقرب سريرها، تقف الأم، تتابع أنفاس ابنتها، وتقول: "منذ ولادتها ونحن نتنقل بها من مشفى لآخر، لكن بعد الحرب لم نعد نجد علاجًا لها".

وتردف بقهر: "في إحدى أيام النزوح دخلت "آية" في غيبوبة لمدة أسبوعين لعدم توفر الأدوية الأساسية. مكثنا خمسة أشهر في مستشفى ناصر، وثمانية أشهر في مستشفى شهداء الأقصى، وكل ذلك دون علاج فعّال"، مؤكدةً أن طفلتها اليوم بحاجة إلى إجراء عدة عمليات جراحية عاجلة، "لكن كل ذلك مرهون بموافقة على خروجها من قطاع غزة، حيث تُمنع حتى الآن من السفر لتلقي العلاج، بسبب الحرب الإسرائيلية على القطاع، ومنع المرضى من التنقل والوصول إلى المستشفيات".

يناشد والد "آية" وأمها العالم، وكل ضمير حي، أن ينظر في معاناة ابنتهما: "أريد فقط أن تراها الدنيا وهي تبتسم، أن ترى النور في مكان لا يملأه القصف والخوف".

ويناشد والد "آية" وأمها العالم، وكل ضمير حي، أن ينظر في معاناة ابنتهما: "أريد فقط أن تراها الدنيا وهي تبتسم، أن ترى النور في مكان لا يملأه القصف والخوف".

وحتى ذلك الحين، تبقى "آية" بجسدها الصغير، تقاوم بصمت، وتنتظر شريان حياة يأتي من بعيد، قبل أن يخذلها الزمن والجغرافيا.

كاريكاتـــــير