شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م08:51 بتوقيت القدس

محاولات النجاة من الجوع تُقابل بالاستهداف..

"البحر".. قبر "الصيادين" المفتوح بغزة!

21 مايو 2025 - 21:46

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يعد البحر في قطاع غزة، فضاءً للرزق والسكينة كما كان، بل بات مقبرة مفتوحة للصيادين، يحاصرهم فيها الرصاص كما الجوع.

لم يدرك الشاب أيوب مقداد، أن صباح التاسع من الشهر الجاري سيحمل وداعًا أخيرًا لشقيقه "أحمد"، حين دفع معه المركب نحو البحر، في رحلة صيد يومية تحولت إلى مأساة.

لقد استهدفت زوارق الاحتلال الإسرائيلية المركب "حسكة مجداف" بثلاث قذائف، ارتقى إثرها صياد يُدعى أحمد (27 عامًا)، وشقيقه محمد (32 عامًا).

ويقول أيوب، الذي لا يزال يوميًا يبحث عن جثمان أخيه على شاطئ البحر: "هذا البحر صار مقبرة للصيادين، الداخل إليه مفقود والعائد منه مولود. زوارق الاحتلال لا تتوانى عن إطلاق النار بشكل مباشر، لمنع الصيادين من ممارسة مهنة ورثوها عن آبائهم، ويعتاشون منها رغم خطورتها".

ويشير أيوب، إلى أن أشقاءه، بعد أن دُمّر قاربهم بداية الحرب، استدانوا كثيرًا لصناعة مركب جديد يمكنهم من العودة للصيد "كي نصطاد بعض الأسماك لنأكل القليل ونبيع ما تبقى فنشتري احتياجات أطفالنا، أما الآن فلا قارب، لا صيد، ولا حتى جثمانًا نودعه".

ويلفت مقداد، إلى أن القارب كان يعيل أربع أسر، أما الآن فكلهم باتوا في مهب الريح والأمواج ترمي بهم يمينة ويسرى دون وجود من ينفق عليهم ويوفر احتياجاتهم.

ويعد العمل في البحر، جراء الحصار والعدوان المتواصل على قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول 20023م، أحد أخطر المهن في غزة، فالصياد لا يعود إلا بالقليل من الأسماك، "لكن الكلفة عالية جدًا، من شباك ومعدات الصيد وصناعة المراكب مرتفعة الثمن، مرورًا بالخطر الدائم من نيران الزوارق الحربية أو الطائرات المسيرة"، بحسب مقداد.

حافة الموت

ويصف الصياد أحمد أبو ريالة، الذي يقطن في مخيم الشاطئ إلى الغرب من مدينة غزة، البحر، بـ"مقبرة الصيادين"، حيث لا يمر يوم دون قصف أو استهداف.

وارتقى يوم الجمعة 16 أيار/ مايو الجاري، الصيادان حسن أبو عودة ورامي النجار، قبالة شاطئ الشيخ عجلين، خلال سعيهم لتوفير لقمة لأطفالهم.

"نأكل ما نتمكن من اصطياده، ونبيع القليل لتوفير أساسيات الحياة، لكن المجازفة باتت مرعبة، خاصة مع نقص القوارب، فمعظم مراكب الصيد تم تدميرها".

ويقول أبو ريالة: "نأكل ما نتمكن من اصطياده، ونبيع القليل لتوفير أساسيات الحياة، لكن المجازفة باتت مرعبة، خاصة مع نقص القوارب، فمعظم مراكب الصيد تم تدميرها، ودفع ذلك الصيادين لاستخدام بدائل بدائية أشبه بالمستحيل، كألواح الفلين، وإطارات السيارات، أو الثلاجات المفرغة التي يحولونها لقوارب مؤقتة تسير في عرض البحر.

ويضيف: "لا خيار أمام الصيادين في ظل المجاعة التي تضرب القطاع، سوى المجازفة"، مردفًا: "نعيش على أمل أن نعود بما يسد رمق أطفالنا، إلا أن معظمنا يعود من البحر دون أي صيد، بل أحيانًا نعود بجثامين الرفاق".

قوارب الموت

ويؤكد رئيس النقابة العامة للعاملين في قطاع الصيد زكريا بكر، أن الاحتلال كثف هجماته على الصيادين منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023م، مشيرًا إلى أنه قبل الحرب، كانت معاناة الصيادين تقتصر على مطاردة الزوارق ومصادرة المراكب وتقييد مناطق الصيد، لكن منذ الحرب، أصبح دخول البحر يعني ركوب قارب الموت.

ويقول بكر: "لا يوجد صياد في غزة اليوم يعمل بأمان، فمن يدخل البحر قد لا يعود، أو يعود محمولًا على الأكتاف"، مشيرًا إلى أن غالبية القوارب دُمرت، ولم يتبق سوى 5% من الأسطول الذي كان نشطًا قبل الحرب، وأن 95% من ممتلكات الصيادين دُمرت عمدًا.

وذكر بكر، أن أكثر من 200 صياد استشهدوا منذ بداية الحرب، بينهم 60 خلال عملهم في بحر غزة، ملفتًا إلى أن الصيادين يعملون ضمن 500 متر فقط، وهي مساحة لا تكفي حتى لصيد الحد الأدنى من السمك، ما انعكس على السوق، "فأسعار الأسماك باتت نظرًا لندرتها وارتفاع تكاليف أدوات الصيد باهظة جدًا".

بدائل بدائية

ودفع الانهيار شبه التام لقطاع الصيد الكثير من الصيادين للبحث عن حلول غير تقليدية للبقاء، فاستخدموا ما توفر من ألواح فلين أو قوارب صغيرة بدائية، أو حتى ثلاجات قديمة، لتطفو فوق البحر وتقوم مقام القارب بحسب بكر، الذي ذكر أن الصيادين يصرون على النزول للبحر رغم خطورته، ويعدون ذلك أهون من التضور جوعًا.

"الإنتاج السمكي، فلا يتجاوز 2% مما كان يُنتج قبل الحرب بحسب رئيس النقابة العامة للعاملين في قطاع الصيد".

ولا تتجاوز نسبة الصيادين النشطين اليوم 10% فقط من العدد الإجمالي البالغ نحو 4500 صياد مرخّص، إضافة إلى نحو 1500 عامل في مهن مرتبطة بالصيد، أما الإنتاج السمكي، فلا يتجاوز 2% مما كان يُنتج قبل الحرب بحسب رئيس النقابة العامة للعاملين في قطاع الصيد.

وفي هذه الظروف المأساوية، يبدو أن البحر بات أقرب إلى فخ قاتل منه إلى مصدر رزق، فالصيادون يغامرون بأرواحهم، يعود بعضهم محمولين على الأكتاف، وآخرون بلا رزق، أما المواطن العادي، فلا يستطيع شراء ما يصطاده هؤلاء الصيادون، بسبب ارتفاع الأسعار الجنوني، وغياب القدرة الشرائية في ظل الحرب والجوع.

كاريكاتـــــير