غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تمشي شيرين إسماعيل (46 عامًا) في أروقة ميناء مدينة غزة، وتعلو وجهها علامات الصدمة. تشهق فجأة: "كيف صار هذا؟ كيف تحولت الحياة هنا إلى هذا الجحيم؟".
ميناء غزة الذي كان يضجُّ بالحياة قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يعد كما كان عليه، قبل أن تتركه نازحةً ناحية الجنوب حيث "الأمان" المزعوم من قبل الاحتلال. صار كتلةَ رماد، "وغابت عنه ضحكات الأحبة" تقول.

تخبرنا: "لا أرى سوى بقايا مقاهي دمرتها الصواريخ، وهياكل مراكب غارقة في مياه البحر، صدأت لطول المدة، وبضعة أشخاص يتفقدون المكان"، مردفةً بحسرة: "كان هذا المكان متنفسنا الوحيد في قطاع غزة، منذ عام الحصار في 2007م، بأي قلبٍ أحرقوه هكذا؟".
جلست شيرين مع صديقتها على أقرب طاولة من البحر، وطلبت كوب قهوة، متجاهلةً الهواء البارد الذي يلف المكان بسبب المنخفض الجوي، ثم أكملت بعصبية: "الميناء كان روح مدينة غزة، ورئة مواطنيها. هنا كانت الزيارات العائلة، ونزهات الصديقات. هنا كانت لقاءات الخاطبين اللطيفة في الكافيتريات المطلة على البحر، وهنا كان الأطفال يركضون خلف بائع الذرة، والبالونات، ومؤجر السيارات المضيئة.. هذا كله لم يعد موجودًا".
تتنهد شيرين بعمق، وهي تنظر إلى بقايا منارة الميناء المدمرة، وركام نصبٍ تذكاري كان يتوسط المكان، بينما يتدخّل صاحب أحد الكافتيريات، قائلًا: "لم يتركوا لنا شيئًا، خسرت هنا مشروعي الذي كنت أعتاش منه أنا وأفراد عائلتي".

سامي طافش، هو صاحب كافتيريا "بساطة"، التي كانت تتربع على مقربة من لسان الميناء، ويؤمُّها المواطنون الذين يرغبون في التنزّه وسط الهواء العليل.
يقول: "كان يتردد آلاف المواطنين هنا يوميًا. كانت الحركة نشطة، فهذا المتنفس الوحيد للمحاصرين بغزة، الذين لا يملكون خيارات السفر، أو التنقل بين مدن الدولة مثل باقي الدول في هذا العالم".
ويشير بإصبعه إلى بقايا كافتيريا قريبة، ويزيد: "لم أشاهد هذا الدمار أثناء الحرب، لكنني لم أفاجأ بحجمه لأنني رأيت على مدار 15 شهرًا الخراب الذي عمّ المدينة. شعرت بصدمة وغصة في قلبي، وحزن لم يخففه علمي المسبق بما حدث".
رغم مرور شهر على وقف إطلاق النار، إلا أن حركة الناس في الميناء نادرة ومحدودة.
ورغم مرور شهر على وقف إطلاق النار، لكن حركة الناس في الميناء نادرة ومحدودة، أما طافش فقرر افتتاح كشك صغير لبيع الشاي والقهوة، للإنفاق على عائلته، بعدما فقد أي قدرة على افتتاح مشروعه من جديد.
يختم: "كانت الميناء مليئة بالحياة وضحكات الناس ولكن الآن كل شيء تغيّر، المكان مقفر وكأنه صحراء".
على الجانب الآخر من الميناء يتجوّل الشابان محمد الزبدة وعبد الله الملاحي، يتجاذبان أطراف الحديث حول المأساة التي حلّت برئة قطاع غزة، الميناء، الذي كان بالنسبة إليهما بيتهما الثاني، كونها إلى جانب التنزه فيه أيضًا يعملان داخله.
يقول الزبدة لـ"نوى": "أذكر الميناء في العيد حيث لا نكاد نجد مكانًا لموضع قدم". يغمض عينيه بقوة ليمنع دمعة كادت تخونه، ويتابع: "الآن المكان موحش يشبه المقبرة، لا بشر فيه ولا حياة".
يشير الشاب بإصبعه صوب بقايا المقاهي التي كانت تنتشر في المكان، ويتحدث عن الخسائر التي لحقت بأصحابها. يرسم على وجهه ابتسامة حزن ويضيف: "عدت من جنوبي قطاع غزة قبل خمسة أيام، وتوجهت مباشرة إلى هنا؛ لأرى كيف أصبحت الميناء. صُدمت بما رأيت، ولم أملك أمام هول الدمار الذي انتشر في قطاع غزة سوى الصمت".
أما صديقه الملاحي فعقّب: "الميناء كانت مثل بيتنا الثاني، هنا نتنزه وهنا كنا نعمل، غالبًا كنا نبيت هنا، أول مرة رأيت الميناء المدمر بعد سبعة شهور من اندلاع الحرب، شعرت بحزن، فقبل الحرب كنا قد جددنا مطبخ الكافتيريا، واشترينا ماكينة كريب حديثة (ماكينة لصنع الحلوى)، كله شيء تبخّر".
يشير إلى جوانب الميناء الخالية من الناس والممتلئة بآثار الدمار، وهو يقول :"كانت الميناء في كل الأيام بتطبل طبل (أي مكتظة بالمواطنين)، حركة وشغل وناس رايحة جاية، وصوت بياعين وحركة الأطفال وألعابهم. الآن بالكاد نلمح بشرًا، حتى العمال يأتون إلى هنا يزورون المكان ويغادرون بسرعة".
"أحاول تنظيف مكان صغير؛ لأبيع من خلاله الشاي والقهوة، بعدما كنت أمتلك كافتيريا كلفتني مبالغ كبيرة على مدار سنوات. حاليًا إن أردت العودة عليّ البدء من تحت الصفر".
ويحكي نور الدين الزقزوق كيف علم من إحدى الفضائيات عن دمار الميناء، "لكن أن ترى العين دمار مصدر الرزق، فهذا وجعٌ مختلف" يعقب.
كان الزقزوق يعمل في الميناء، قبل اندلاع الحرب في قطاع غزة، "لكنني لم أتوقع أن يكون الدمار بهذا الحجم" يعقب.
ويكمل: "أحاول تنظيف مكان صغير، لأبيع من خلاله الشاي والقهوة بعدما كنت أمتلك كافتيريا كلفتني مبالغ كبيرة على مدار سنوات. حاليًا إن أردت العودة عليّ البدء من تحت الصفر، وهذا غير ممكن، لم أعد أمتلك شيئًا، خاصة أنني فقدت بيتي وأصبحت أعيش في خيمة".
























