شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 مايو 2026م17:30 بتوقيت القدس

يرعى أحفاده بعد استشهاد آبائهم..

"إرث" المجزرة.. حِملٌ يقصم ظهر "الجد" مازن!

13 يناير 2025 - 14:48
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"وكأن الحياة كلها توقفت عند تلك اللحظة. لحظة غيرت كل مسار حياتي، وأفقدتني أعز أبنائي وأحفادي" بهذه العبارة، بدأ الخمسيني مازن التلمس (أبو أدهم) سرد الحكاية. حكاية الفقد المرعبة، التي تركته "وحيدًا"، يكمل أيام الحرب ويعدّها عدًا. جعلتهُ يخشى "الموت".. لا لأجله، بل لأجل من تبقى من أحفاده على قيد الحياة لا معيل لهم بعد الله سواه.

كانت الساعة تشير إلى الثالثة عصرًا، في آخر يوم من تشرين أول/ أكتوبر 2023م. اهتزَّ مخيم جباليا بأحزمةٍ ناريةٍ متتالية، أتت على مربع سكني كامل. يصفها الرجل بقوله: "كأنها القيامة".

ويكمل: "كانت وجوه أولادي وابتساماتهم آخر ما أذكره قبل أن أغيب عن الوعي، ويغيبوا هم عن الحياة".

كانت عائلة التلمس، قد نزحت إلى مخيم جباليا، حيث منزل ابنتهم، بعد طلب الاحتلال إخلاء مخيم الشاطئ بمدينة غزة. يعقب: "ظننتُ أنني بذلك أبعد بعائلتي عن الخطر، ولم أكن أعرف أن الموت سيلاحقنا في أي مكان نهرب أليه".

تنساب دموع أبو أدهم وتخنقه الغصة، كلما فتح جرح فقده لأربعة من أولاده وعدد من أطفالهم، "كيف يمكن للجرح أن يلتئم، وأنا أراهم في كل لحظة بعيون من تبقى من أطفالهم حولي حيًا؟" يتساءل.

فقد أبو أدهم ابنه أدهم وزوجته وثلاثة من أبنائه، ونجت طفلتاه ملاك ومرام، كما استشهدت ابنته هديل وزوجها وطفلهما الصغير، ونجى أربعة من أطفالها (أكبرهم بعمر 14 سنة)، ليجد الجد والجدة نفسيهما فجأة، مسؤولين عن ستة من الأحفاد الأطفال، الذين يحتاجون رعاية واهتمام ومحبة وحنان، بعد فقدان كلا الوالدين، وخروجهم من صدمة القصف والموت الطاحن الذي أصابهم.

فقد أبو أدهم في المجزرة بالإضافة لأبنائه وأحفاده، قدمه التي تعرضت للبتر مرتين، وأصبح عاجزًا عن الحركة إلا بمساعدة كرسي متحرك، لكنه لم يفقد العزيمة والإرادة لاستكمال رسالته ومهمته في الحفاظ على إرث أبنائه.

"أحاول أن أخبئ أوجاعي وحزني على أولادي أمام أحفادي، حتى لا أنكأ جراحهم وأزيد من همومهم".

يخبرنا: "أحاول أن أخبئ أوجاعي وحزني على أولادي أمام أحفادي، حتى لا أنكأ جراحهم وأزيد من همومهم".

ينشغل الأطفال كما كل أطفال مخيمات النزوح في البحث عن الماء والحطب، وجلب الطعام من التكية في المخيم المجاور، تارةً ينجحون في ذلك، وتارة يعودون بأوانيهم فارغة، بحجة أن الطعام مخصص لمخيم بذاته.

يعلق أبو أدهم: "لا أعرف كيف انتهى بنا الحال هنا؟ كان لأبنائي أحلام وطموحات كبيرة، وكانوا يريدون لأطفالهم حياة أفضل، لكن الحرب أفقدتني أبنائي وأفقدتهم آبائهم، وبقيت أنا وهم نصارع من أجل البقاء في واقع يعجُّ بالقسوة، وامتهان الكرامة والإنسانية".

يشير إلى ملاك، تلك الطفلة التي تخفي ملابسها ما يزيد على 20 كسرًا واعوجاجًا في قدمها، وآلام تزداد كلما سارت لمسافات بعيدة، ويقول: "ننتظر انتهاء الحرب لتتمكن من إجراء عملية في قدمها لتعيدها لطبيعتها، لكن هذا لا يمنعها من السعي كما كل الأطفال في مخيمات النزوح".

"لا أجد أي مسكنات لآلام قدمي، أو قطع غيار لإصلاح كرسيَّ، وهذا أقعدني عن الحركة تمامًا، وجعلني حبيس الخيمة".

كثيرة هي التفاصيل المؤلمة التي تختلج قلب أبو أدهم، فهذا كرسيه قد تعرض للكسر بسبب وعورة الطرق في المخيم، وهذه الآلام التي تنخر بقدمه، وكأن سيخًا حديديًا يكرر الدخول في جسده الحي كل لحظة.

يعلق بالقول: "لا أجد أي مسكنات لآلام قدمي، أو قطع غيار لإصلاح كرسيَّ، وهذا أقعدني عن الحركة تمامًا، وجعلني حبيس الخيمة، التي لم تحتمل الأمطار فـغرقت كما خيام النازحين بمياه الأمطار ووحلها".

"وهل هناك من وجع أكبر من الفقد؟" يسأل نفسه، ثم يجيب بصوتٍ عال: "حينما تكون مسؤولًا عن 6 أيتام. أنا وزوجتي مصابَين، ولا نملك أي مقومات للحياة، حتى أن راتبي لا يكاد يكفي لشراء أبسط الأساسيات، في ظل الغلاء المستشري"، موضحًا أنهم يستخدمون الحطب منذ عدة أشهر، ولا يجدون له بديلًا الآن بعد أن نفذ من الأسواق.

في يوم المجزرة، نقل من تبقى من عائلة أبو أدهم حيًا إلى المشفى، ومنها إلى جنوبي القطاع. رحلوا بأجسادهم فقط -كما يعبر- لكن قلوبهم هناك، حيث استشهد الأحبة.

"إذا تمت الصفقة، لن أتوانى للحظة عن العودة والبحث عن قبور أبنائي وأحفادي. سأقبل ثراهم، وأبكي كثيرًا".

يحكي: "برغم مناشداتنا لعدة جهات تدعي أنها تقدم الدعم للنازحين من أجل توفير بعض احتياجاتنا الأساسية، مثل أنبوبة غاز ترحم زوجتي من الانتقال للمشفى بشكل دائم بسبب ضيق التنفس، أو تصليح الكرسي المتحرك، ليكون سند لي في حركتي، والنظر لستة أطفال أيتام فقدوا كل شيء مع فقدان والديهم، إلا أن كل مناشداتي لم تجد صدى".

لم يودع أبو أدهم أحباءه الذين ارتقوا، ودفنوا دون أن يعلم أماكن قبورهم، "وهذه غصة أكبر من غصة الفقد والفراق" يقول.

ينتظر الرجل بفارغ الصبر، أن تتحول الأحاديث حول صفقة وشيكة إلى واقع ملموس، "وساعتها لن أتوانى للحظة عن العودة والبحث عن قبور أبنائي وأحفادي. سأقبل ثراهم ساعتها، وأبكي كثيرًا، وأبث وجعي وألمي ومعاناتي، طوال 15 شهرًا من الإبادة".

كل ما يتمناه أبو أدهم اليوم أن تتوقف الإبادة، وأن يعود لما تبقى من منزله في مخيم الشاطئ، ويجمع شتات من تبقى من أبنائه وأحفاده تحت سقفٍ واحد، وأن يستعيد كرامة أسرته التي أهدرتها الإبادة.

كاريكاتـــــير