شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 مايو 2026م15:39 بتوقيت القدس

غالونات يحملها أطفال..

غزة.. رحلة الشقاء لتوفير الماء!

24 نوفمبر 2024 - 18:50

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

مع ساعات الصباح الأولى، تبدأ "رحلة العذاب" اليومية من أجل توفير المياه في خيام النازحين بغزة، تحت نيران الحرب، ومقتلة "القِلة" وشح الموارد.

منذ أكثر من 13 شهرًا، يحمل الفلسطينيون الذين تركوا بيوتهم قسرًا تحت ضربات الصواريخ الإسرائيلية، غالونات المياه بأياديهم بحثًا عن مياهٍ نظيفةٍ يستخدمونها في أمور حياتهم كافة. "تشققت الأيدي وانحنت الأكتاف وتقوّست عظم الظهر والكل يتابعنا بصمت" يقول محمد مشتهى (14 عامًا) لـ"نوى".

محمد الذي صار مسؤولًا عن هذه المهمة كونه أكبر أشقائه الأربعة، هو ابن شهيدٍ ارتقى في نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2023م في قصفٍ استهدف منزل جيرانهم في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.

يخبرنا: "أسير ساعةً كاملةً على قدمي يوميًا أصل لمنطقة تتوفر فيها المياه، أبدأ بتعبئة غالونين، كل واحد منهما يتسع لـ18 لترًا من الماء، وما أن يتم الأمر بعد طابورٍ طويل وساعتين إضافيتين في الانتظار، أمضي بطريق العودة الذي يكسر ظهري".

تبدو الطريق -حسب وصفه- أطول أضعافًا عن تلك التي يمشي فيها ذاتها بالغالونين فارغين! يتصبب عرقًا، ويستريح على ركام المنازل المدمرة قليلًا، ثم يمضي حتى يصل إلى وجهته.

ويضيف: "فوق هذا العناء، المياه التي نحصل عليها ليست نظيفة مئة في المئة. هي مالحة، لكننا رضينا بها لسد حاجة ملحة، كاستخدامها للشرب والطهو والاستحمام والتنظيف".

وتتحدث سهام سكر وهي أم لخمسة من الأبناء، وجدّة لثمانية أطفال، عن أنهم يحتاجون يوميًا إلى ثلاثة غالونات، تتوفر أحيانًا بشكل مجاني، وفي أوقات أخرى تضطر لدفع 10 شواكل (3 دولارات) مقابل كل غالون.

"يسير الأمر بين أبنائي عن طريق المناوبة، ومن ليس لديه دور في توفير المياه، فإنه بالتأكيد يحظى بمهام أخرى كتوفير الطعام، أو جمع الحطب والكرتون، لكن بالطبع توفير الماء أقساها وأشقاها".

تتابع: "يسير الأمر بين أبنائي عن طريق المناوبة، ومن ليس لديه دور في توفير المياه، فإنه بالتأكيد يحظى بمهام أخرى كتوفير الطعام، أو جمع الحطب والكرتون"، معترفةً بأن توفير الماء أقساها وأشقاها، "فهي أصعب ما يمكن توفيره، وأثقل ما يمكن حمله".

ووفق سهام، المحظوظ بين أبنائها هو من يعثر على عربة يجرها دواب في طريقه، تقوم بنقله وتسهل عليه مهمة "العتل" (حمل الثقيل) كما تصف، مردفةً: "هذه الحرب لا تعرف صغيرًا أو كبيرًا، قويًا أو ضعيفًا، جريحًا أو سليم الجسد. الجميع يسعى من أجل توفير الماء أولًا، ثم الطعام، غير الالتزامات الأخرى".

"ربّما كانت الحياة سهلة في السابق؟" تسأل نفسها قبل أن تجيب: "فعلًا كانت سهلة حين كانت لنا منازل، وكانت الماء تصلنا يومًا بعد يوم ونتذمر! كان لدينا سوق وأكبر همنا توفير المال للشراء. اليوم ليس لدينا مال وليس لدينا سوق، ولا أدنى مقومات الحياة".

أيمن السوسي وهو رجل في الخمسينيات من عمره، يسكن مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة. يحدثنا أنه يستيقظ من الفجر ليذهب ويأخذ دورًا مبكّرًا في طابور الحصول على المياه من إحدى المحطات هناك، فمن يحضر أولًا يحصل عليها، ومن يصل متأخرًا ستكون مهمته أكثر مشقة في البحث عن مصدر آخر.

ولعل ما يتوفر لا يلبي حاجة جميع الناس بالطبع، فالإمكانات تحت الحرب ضعيفة، ومجرد وصول المياه من مصادرها يحتاج مجهودًا كبيرًا خاصة مع عدم توفر السولار والوقود اللازمين لتشغيل المحطات، أو حتى عربات النقل.

وفي منزل أيمن الذي تضرر جزئيًا، لا تنتهي العملية بمجرد توفير الغالونات فحسب، بل إن مهام أخرى تقع على عاتق أطفاله الذين يساعدونه بنقلها للطابق العلوي، وتعبئتها في البراميل الكبيرة عن طريق الدلاء (الجرادل) كي تصل إلى الحنفيات قبل استخدامها في الطبخ، وغسل الأواني والشرب والاستحمام.

ويقول: "نعرف أنها ليست نظيفة تمامًا. نعرف أنها ربما ليست صالحة للاستخدام الآدمي، وكثيرًا ما تعاني معدتي منها، لكنها الخيار الوحيد أمامنا".

في المعايير الدولية، فإن الفرد الواحد يحتاج إلى ما يزيد على 120 لترًا للشرب والاستحمام والاستخدام اليومي، بينما يحصل الفرد الواحد في غزة على كميات تتراوح بين 15 و20 لترًا في اليوم بحسب المتحدث باسم بلدية غزة عاصم النبيه.

في سياق الموضوع، يقول: "إن قوات الاحتلال دمرت أكثر من 105 آلاف خط للمياه، وأكثر من 70% من آبار المياه في مدينة غزة وحدها، ما يجعل وصول الكميات اللازمة للمواطنين أمرًا في غاية الصعوبة"، مستدركًا: "لكن برغم ذلك تحاول البلدية توفير المياه لمساحة تقدّر بنسبة 40% من المدينة، و60% لا تصلها المياه منذ أشهر بسبب ضعف الإمكانيات".

ويوضح بأن الكميات التي تصل الناس حاليًا تعد غير كافية ومحدودة، خصوصًا مع نزوح سكان شمالي قطاع غزة نحو المدينة، "غير أن المياه المتوفرة ملوثة وقد تكون غير صالحة للاستخدام، ما يهدد بالخطر وانتشار الأمراض المعوية والجلدية تحديدًا بين فئة الأطفال".

وحسب النبيه، لا يملك المواطنون أي خيار آخر، يستعينون بمحطات التحلية المحلية التي تعرض معظمها للتدمير وأخرى ليس لديها مخزون وقود وقطع غيار لصيانتها، متابعًا: "من بين الإشكاليات التي تواجهها بلدية غزة في عملها، أن لا إمكانيات أو معدات أو آليات متوفرة لصيانة تضرر الآبار بشكل كلي وجزئي برغم محاولات الصيانة البدائية التي تعد مؤقتة، ما يدفع الناس لنقل المياه يدويًا إلى منازلهم وأماكن نزوحهم، بالإضافة إلى أن البعض ترك منزله بسبب بعد نقاط المياه عنه.

كاريكاتـــــير