شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 مايو 2026م18:30 بتوقيت القدس

زوجها معتقل ولا تعرف عنه شيئًا..

مسعفة وأم.. نضال على جبهتين!

03 اعسطس 2024 - 12:53

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"كيف أتقاعس؟" تتساءل ضابط الإسعاف مها وافي، بعد عشرة أشهر من الإبادة بحق البشر والحجر والشجر في قطاع غزة، "وكيف أترك كل تلك الآهات خلفي؟" تتابع.

منذ إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلية حربها على قطاع غزة، في السابع من تشرين أول/أكتوبر من العام الماضي، لم تتوانَ مها (44 عامًا) عن تلبية نداء الواجب.

طوال عشرة أشهر كانت خلالها في مواجهة النار، مسعفةً، وأمًا.. ونازحة في بعض الأحيان، وزوجة أنيس الأسطل، مدير الإسعاف والطوارئ في المنطقة الجنوبية بوزارة الصحة، الذي اعتقلته قوات الاحتلال أثناء تأدية عمله قبل عدة أشهر، ولا تعرف عنه شيئًا حتى الآن.

تعمل مها ضمن طواقم الإسعاف والطوارئ بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني منذ 24 عامًا، غطت خلالها العدوانات المتواصلة والتصعيدات على قطاع غزة حتى يومنا هذا، "لكن هذه المرة مختلفة، إنها ليست حربًا. هذه إبادة حقيقية، وانتهاك قاسٍ لكافة القيم والمعايير التي عرفتها الإنسانية" تستدرك.

يبدأ نهار مها مع بزوغ الشمس، تنطلق إلى عملها مودعة أبناءها في خيمة أقامتها لهم في منطقة المواصي غربي مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، بعد أوامر الإخلاء الأخيرة. تخبرنا: "ينخلع قلبي وأنا أغادر الخيمة، أمضي في طريقي وأسأل نفسي: هل حقًا تركتُ أطفالي وحدهم هنا؟ ثم أكمل السير وأنا أقنع نفسي بأن هناك من يحتاجني الآن أكثر منهم. أطفال خرجوا من تحت الأنقاض، أو جرحى على شفا الموت يطلبون النجاة".

بعد غياب والدهم، إثر اعتقاله عند حاجز "نتساريم" مطلع ديسمبر/ كانون أول الماضي، صارت مسألة ترك الأولاد وحدهم معضلة.

تضيف أمهم: "في خيمتهم يبقون وحدهم، يتشاركون مخاوفهم عليَّ وهم يعرفون أنني لست بمأمنٍ من الاستهداف حتى لو كنت أرتدي معطفي الأبيض، وعلى أبيهم، الذي لا يعرفون مصيره حتى اللحظة. هذا يجعلني في حالة قلق دائمة".

اعتقل زوج مها بينما كان متجهًا نحو شمالي القطاع؛ لإخلاء المرضى الأطفال والمسنين من مستشفى كمال عدوان، وهنا تحديدًا يتضاعف شعور مها بالقهر الممزوج بالعجز عن فعل أي شيء، ويزداد الأمر سوءًا عندما تسمع شهادات الأسرى المفرج عنهم، حول ما يتعرضون له هناك من انتهاكات وعمليات تنكيل، وهي التي لا تعرف حتى في أي معتقل هو.

وما يزيد الأمر تعقيداً -وفق تعبيرها- أنها تدرك أن لا مكان آمن، وأن جيش الاحتلال لا يحترم شارةً طبية، ولا صحفية، ولا غيرها، "وهو ما يجعلنا بالنسبة له أهدافًا تتحرك على الأرض، أثناء عملنا في إخلاء الجرحى، لا سيما في الأماكن التي لا يصنفها هو بـ"الآمنة"، وإن كانت الطواقم لم تسلم من الاستهداف فيها أيضًا.

وتصف وافي العمل في هذه الحرب بـ"الأصعب"، في ظل نقص المعدات والأدوات، والمستهلكات الطبية، ما يزيد من تعقيد العمل، حتى أن الشوارع التي تم تخريبها على يد جيش الاحتلال أصبحت تشكل عائقًا أمام حركة سيارات الإسعاف، "بينما التحدي الأكبر هو الاستهداف المتعمد للطواقم الطبية من قبل قوات الاحتلال" تقول.

وتكمل: "على صعيدي الشخصي، الأمر الأشد قسوة بالإضافة لمخاطر العمل، هو النزوح، والأخطار المحدقة به، ناهيكم عن نقص المياه والغذاء، والحياة في خيمة، أضيفوا إليها قلقي على زوجي وخوفي عليه".

وتطالب وافي بضرورة الضغط على "إسرائيل" لمعرفة مصير الأسرى الذين اعتقلوا بعد السابع من أكتوبر، متسائلةً: "لماذا يعتقل العاملون في القطاع الصحي، وعملهم إنساني ومحمي وفق الاتفاقيات الدولية؟".

بعد يوم عمل طويل تعود وافي إلى الخيمة لتواصل مهمة أخرى لا تقل أهمية، تطبطب على أبنائها لا سيما أصغرهم الذي لم يتعدَّ السادسة من عمره، الذي لا يتوقف عن السؤال عن والده، وتبدأ رحلة عملٍ قاسيةٍ أخرى، من توفير الماء وتجهيز الطعام، باستخدام الحطب تارةً، وغاز الطهي تارةً أخرى حسب توفر الأخير أو انقطاعه.

كثيرة هي المرات التي جازفت فيها مها مع زملائها العاملين في طواقم الإسعاف بحياتهم، من أجل إنقاذ حياة طفلٍ أو شيخٍ أو رجلٍ أو امرأة، فهي تدرك جيدًا أن الله سخرها لهذا، وأن لكل واحدٍ منهم قصة، وهدف، وحياة، وعائلة تنتظره وترى فيه مأمنها وأمانها.
هي تعي أن طريق مهنتها مرصوف بالدم الذي يراق في كل لحظة في ظل هذه الحرب، التي طحنت أرواح الأبرياء. "لكنه عملي، ورسالتي التي أؤديها عن حب وقناعة. إنه عمل إنساني بحت، والمخاطرة جزءٌ منه، ونحن نعرف، كما يعرف أولادنا، أننا على هذه الأرض لن نرى إلا ما كتبه الله، وهذا وحده الذي يهون علينا أوجاعنا وآلامنا، ويمنحنا القوة للمواصلة" تختم.

كاريكاتـــــير