شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 مايو 2026م18:30 بتوقيت القدس

ودعته بالكفن ولا تصدق أنه لن يعود..

بين الهائمين في الخيام تنادي.. وحيدها "الشهيد"!

11 يوليو 2024 - 17:13

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"استشهاد 12 من العاملين في تأمين المساعدات، بالقرب من كرم أبو سالم"، خبر مرره الناس سريعًا بين أصابعهم وهم يتابعون الأخبار عبر هواتفهم النقالة. وحدهنَّ الأمهات اللاتي يعرفن أن أولادهن هناك توقفن عنده، وكأن الوقت أبى أن يمشي بعد ذلك أبدًا.

أم عبد الرحمن الصوفي كانت هناك في خيمتها، قالوا لها إن وحيدها استشهد، لكنها لم تصدق، "كيف أصدق وأنا أسمع خطواته على الأرض، وأشم رائحته، وأتخيل صوته وهو يناديني؟ كيف أصدق وأنا أراه يزيح الستارة عن الخيمة ويناديني يما".

"ما ذنب طفله كي يكبر بلا أب؟ ما ذنب شقيقه؟ وما ذنب الجنين الذي ما زال في أحشاء أمه؟"

في الخيمة، تحتضن أم عبد الرحمن حفيدها الذي لم يكمل عامه الثالث بعد، وتتساءل: "ما ذنبه كي يكبر بلا أب، ما ذنب شقيقه؟ وما ذنب الجنين الذي ما زال في أحشاء أمه؟".

وتحكي: "ذهب ليعمل ويؤمن طعامنا وشرابنا واحتياجات أطفاله الصغار، ولم يكن يعلم أن الأجل ينتظره. كان شابًا بسيطًا، وأحلامه مشروعة، وكل ما يتمناه أن يؤمن قوت أطفاله ومستقبلًا كريمًا يقيهم ذل السؤال".

"لا يدرك هذا الطفل أنه فقد والده وسنده إلى الأبد، ليس هو فقط، لكنني أيضًا فقدت سندي ومصدر قوتي وأماني" تعلق الأم المكلومة، وتتابع: "كأن التاريخ يعيد نفسه، حينما توفي زوجي كان ابني الشهيد في الثالثة من عمره، وطوال 25 عامًا كنت أنا الأم والأب، وعانيتُ من أجل تربيته مع شقيقته الوحيدة الكثير، وحدي ودون مساعدة أحد".

تحدثت أم العبد عن معاناةٍ وفقر وقهر، والكثير من الحرمان، والضغوط التي واجهتها خلال تربية طفليها، حتى اشتد عوديهما، وتزوَّجا، وتقول: "ظنّنا أننا ودَّعنا أيام البؤس والشقاء، وبدأت الأمور تنفرج، لكن كل شيء تغير مع اندلاع الحرب على قطاع غزة".

في حي تل السلطان غربي رفح، تمكنت أم العبد من شراء قطعة أرض، وشيدت عليها منزلًا، بعد سنوات من العيش في غرفة من الزينقو، وظروفٍ معيشيةٍ صعبة، وزوجت وحيدها، ليملأ عليها البيت أطفالًا، ويعوضها سنوات التعب.

"عشت أيامًا عصيبة، حينما كان أبنائي أطفالًا. كانت غرفتي بائسة تفتقر للكهرباء والماء، ومسقوفة بالزينقو".

وما أشبه اليوم بالأمس، تكمل: "عشت أيامًا عصيبة، حينما كان أبنائي أطفالًا. كانت غرفتي بائسة تفتقر للكهرباء والماء، ومسقوفة بالزينقو، وكنت اضطر لنقل المياه بالجالونات، كما هو حالنا اليوم تمامًا مع موجة النزوح التي طالت كل منزل في قطاع غزة".

نزحت أم العبد مع اشتداد القصف في رفح خوفًا على ولدها وأطفاله من آلة البطش الإسرائيلية، ولم تعرف أنها كانت تهرب به من موت محتمل لآخر محقق.

عند باب الخيمة، تنادي أم العبد وحيدها بعلو صوتها، وتنسى أنه ذهب إلى غير رجعة. وتخبرنا: "كان ولدي يعمل قبل الحرب في مهنة البلاط، ومنذ السابع من أكتوبر، أصبح يعمل في أي شيء وكل شيء. تارةً يبيع الخبز الذي أقوم بطهوه، وترة أخرى يبيع البطاطا الحلوة بعد أن أقوم بسلقها، أو حتى بعض المعجنات والبيتزا؛ لنكون قادرين على تحمل الغلاء المستعر في الأسعار، لا سيما وأن لديه طفلين، أكبرهما لم يكمل عامه الثالث بعد".

كان عبد الرحمن يخرج لتعبئة جالونات الماء، وكان الأمر مرهقًا، وكان يتأخر كثيرًا، وعندما يعود تسأله عن سبب تأخره فيخبرها أنه ترك دوره لنساء مسنات، رأفةً بأحوالهن. تنظر إليه أمه نظرة استغراب، فيتابع حديثه المتكرر كل مرة: "يما كيف بدهن يحملن جالونات المية مسافات بعيدة؟"، لكنه لم يكن يعلم أن أمه صارت مثلهن من بعده، لكنها لا تتعثر "بعبد الرحمن" رقيق القلب دومًا.

لا تصدق أم العبد أن ولدها استشهد، حتى بعد أن ودعته بالكفن. تبحث في الوجوه الهائمة، وتنظر في وجوه أطفاله، فتشاهد ذات اليتم الذي عاشه هو ذات يوم.

ورغم مرور ما يقارب أسبوعين على استشهاد ابنها، ما زالت أم العبد لا تصدق أن ولدها استشهد، حتى بعد أن ودّعته بالكفن. تبحث في الوجوه الهائمة حولها، وتنظر في وجوه أطفاله، فتشاهد ذات اليتم الذي عاشه ابنها ذات يوم.

ورغم كل القسوة التي تكابدها أم العبد في مخيم النازحين، وحلمها بأن تعود لمنزلها وقد انتهت الحرب، إلا أنها تدرك أن ألم فراق وحيدها لن يهدأ، خصوصًا وأن كل ركن في المنزل يذكرها به. "هناك كنا نجلس لنشرب الشاي بعد أن نتناول الغذاء، البلاط هو من شيده بيديه، غرفته ومتعلقاته وكل شيء هناك له تبعث في القلب غصة" تقول.

ضربتان تلقتهما أم العبد في لحظة واحدة، كلاهما تكسر الظهر، ففي نفس الاستهداف لسيارات تأمين المساعدات التي سقط فيها عبد الرحمن، ارتقى زوج ابنتها شهيدًا، لتجد المرأة نفسها فجأة غير قادرة حتى على مواساة ابنتها التي أضحت فجأةً أرملة! زوجها شقيقها في آنٍ معًا، "فكيف تكون الدواء وهي التي أغرقها الوجع والقهر على فراق ابنها".

تتمنى أم العبد أن تنتهي الحرب ويتوقف شلال الدم الذي يخطف "زينة الشباب"، وأن تملك الوقت الكافي لتحزن على فراق وحيدها، لتكون قادرة على أن تبدأ من جديد مشوار تربية ستةٍ من الأيتام في ظروف غزة القاهرة (ثلاثة لابنها وثلاثة لابنتها).

تستذكر الحاجة باكيةً آخر ما قاله لها قبل خروجه للعمل، بينما كانت هي تحاول ثنيه عن الذهاب خوفًا عليه: "ما تخافي لو أنا متت عندك أولادي، اللي خلف ما مات".

وتشير تقديرات المجتمع المدني الفلسطيني، أن عدد الغزيين الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما، يتراوح بين 15 ألفًا و25 ألف إنسان.

كاريكاتـــــير