شبكة نوى، فلسطينيات: غزة/ أمل الوادية:
خرَقَ صوتُ الجندي الإسرائيلي قلب نبيلة وهو يصرخ "اتركي ابنك وراكي وتعالي". تقول: "كنتُ أمسك بيده المرتجفة، وأحاول تهدئته، لكن الجندي ما لبث أن عاد ينادي (..) همستُ في أذن طفلي: خمس دقائق وأعود، ولم أعرف أن هذه الدقائق ستمتد وتُمدد لأسابيع لا حد لها".
بدأت الحكاية حين حاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي فجرًا مدرسةً تحولت إلى مركز إيواء في حي الشيخ رضوان غربي مدينة غزة، كانت عائلة نبيلة (التي اكتفت بذكر اسمها خشية الملاحقة) تحتمي بها بعدما نزحت عدة مراتٍ من بيتها في أبراج المخابرات شمالي المدينة، برفقة مئات النازحين.
تخبرنا: "كنتُ أُصلي الفجر، وفي الركعة الثانية سمعت أصوات تفجير الأبواب في البيت المجاور للمدرسة، والجنود يصرخون على النساء والأطفال بشتائم وألفاظ بذيئة. حينها أيقنّا أن الجنود سيقتحمون المدرسة ولا مفر".
في الثاني من كانون أول/ ديسمبر، وفي تمام الساعة التاسعة صباحًا، هدمت جرافات الاحتلال أسوار المدرسة، واقتحمت باحاتها دبابتان. تروي نبيلة الحال آنذاك فتقول: "لم نكن قادرين على الحركة، طائرة كواد كابتر تحلق في سماء ساحة المدرسة، وتطلق الرصاص تجاه أي نازح يحاول فتح باب الصف، وفي محيط المدرسة كان القناص الإسرائيلي يوجه سلاحه تجاهنا".
مرّ الوقت بطيئًا جدًا حتى جاء صوت أحد الجنود عبر الميكروفون ينادي: "على كل من يتواجد داخل الصفوف، أن يخرج إلى ساحة المدرسة رافعًا يديه". تضيف: "كنا حوالي 100 نازح، أمروا النساء والأطفال بالوقوف جانبًا، وأجبروا الرجال على خلع ملابسهم والبقاء عراة، وقاموا بربط أيديهم، ثم قسموهم كل مجموعة أربعة، وأمروهم بالذهاب لمسجد التقوى".
"زي مركز شرطة مليان جنود ودبابات وجرافات، وبحقق الضابط مع الناس في داخله"، هكذا وصفت نبيلة المسجد الذي حولته قوات الاحتلال لثكنة عسكرية، وبالقرب منه حفرة كبيرة وضعوا جميع النازحين فيها. تعقب: "لوهلة فكرت حيعدمونا ويدفنونا فيها".
وتزيد: "بدأ اختيار بعض النازحات من بيننا للتحقيق. في تلك اللحظة لم أملك سوى ترك طفلي والانصياع للأمر. عصبت المجندة عيناي بشدة، وربطت كلتا يدي بأحبالٍ محكمة، وسحبتني منها وألقت بي بطريقةٍ عنيفة داخل الجيب العسكر"، مردفةً: "كان المحقق طوال الوقت يخبرني بأنني لن أرى أطفالي بعد اليوم إذا لم أخبرهم بمعلوماتٍ تهمهم، ولأنني لا أملك أية معلومات، ولم أتجاوب مع التحقيق حسبما قالوا أمروا باعتقالي، وهنا حاصرني التفكير بأنني سأُعدم لا محالة".
بسرعة جنونية فائقة، غادر الجيب العسكري المكان وفي داخله أسرى وأسيرات من بينهن نبيلة، تصف المشهد قائلة: "كنا نقفز ونسقط. رمال الشارع دخلت في فمي من شدة سرعة السائق الإسرائيلي، رأيتُ بعيني من تحت العصبة دبابة إسرائيلية توجه مدفعيتها صوبنا، دمارٌ كبيرٌ حل بالمنازل والشوارع مجرفة، لا معالم لها".
وبعدما اعتُقلت نبيلة، وفرّقها الجنود عن أطفالها وزوجها، بدأت رحلة التعذيب الأقسى من سجنٍ لآخر. تقول: "وصلنا زيكيم ظهرًا، ووضعونا في ساحة كبيرة. أجبرونا على الجلوس على رُكبنا ساعة كاملة فوق الحجارة، حتى جاءت المجندة وجرتني من الحبل المعقود بيدي إلى داخل السجن، وهناك أجبرتني على خلع ملابسي، وأخضعتني للتفتيش باليد والآلة، ثم عادت تعصب عيناي، وتربط يداي وقدماي لكن هذه المرة بالجنازير حتى يتم نقلي لسجنٍ آخر".
داخل ناقلة الجُند، ألقت المجندة الإسرائيلية نبيلة مُجبِرةً إياها على وضع رأسها بين قدميها دون أن تتحرك. تروي نبيلة ما حدث بقولها: "إذا حاولنا رفع رؤوسنا قليلًا تضربنا بسلاحها على ظهورنا وأكتافنا، وتصرخ في وجوهنا بشتائم وألفاظ بذيئة جدًا. كانت الطريق طويلةً وشاقةً للغاية".
وبعدما وصلوا تكمل: "أوقعتني عن دَرَج الجيب إلى البلاط عمدًا، وأُصِبت بكدمات وخدوش في وجهي وعيني أعاني منها حتى الآن، وبأسلوبٍ وحشي أجبرتني على الوقوف فورًا والمشي بعد السقوط حتى وصلتُ إلى سجن (عناتوت)، وهنا تجلّت رحلة العذاب الأقسى والأكثر مرارةً في حياة نبيلة".
يفتقر سجن "عناتوت"، إلى أدنى مقومات الحياة، فالبرد القارس نهش من جسدها حتى تحول إلى لونٍ أزرق. تقول: "أجبرتني على خلع ملابسي وارتداء بيجاما رمادية اللون بعد أن فتشتني، ثم وضعتني داخل غرفةٍ صغيرةٍ جدًا وبداخلها حمّام، يوجد فيها فرشة مهترئة جدًا وغطاءً واحدًا، حتى إذا ما حاولتُ أن أغفو، أستيقظ على صراخ الجنود وهم يضحكون عمدًا ويتجولون حولنا كي لا ننام، وأحيانًا أُخرى يأتون بحجة عدّ الأسيرات".
وعن فترة الحيض داخل السجن حدِّث ولا حَرَج. تروي نبيلة معاناتها آنذاك بالقول: "حضرني وجعٌ شديد في منتصف الليل، ذهبت للحمام ووجدت نفسي غارقةً في الدماء، فطلبتُ من الجنديّ فوطًا صحية، فأعطاني واحدة فقط! وكنتُ كلما أحتاج لتغييرها أطلب منه واحدة. موقفٌ بشع ولا إنساني أبدًا".
وذات مرة طلبت الأسيرات من الجندي فوطًا صحيّة، فقال لهم ساخرًا: "كلكو بدكو فُوط". لم يكن يقبل أن يعطيهن القطعة بسهولة، وفي كل مرةٍ يهينهن، ويشترط أن تأتي من تريد بنفسها له ويمنحها واحدة فقط، وفق نبيلة.
ومن سجن "عناتوت" إلى سجن "الدامون" بعد 8 أيام مكثتها نبيلة هناك، وفور وصولها أجبرتها المجندة الإسرائيلية على تقبيل علم "إسرائيل"، وحين رفضت قامت بضربها بالحائط الموجود عليه العلم وتقبيله إجبارًا. تقول نبيلة: "دخلتُ غرفةً صغيرةً وفتشوني تفتيشًا عاريًا، وحققوا معي حوالي نصف ساعة، ثم نقلوني لغرفة الأسيرات داخل السجن".
نظرًا لعدد الأسيرات الكبير داخل السجن، نُقلت نبيلة وبرفقتها 4 أسيرات إلى غرفة تسمى "العزل الانفرادي"، تصفها قائلة: "صغيرة جدًا، بابُها بلاستيكي عازل، ولا يوجد بها أي منفذ. الحمّام أمام مكان نومنا، لا أرى بداخلها شمسًا ولا قمرًا".
ليس ذلك وحسب، فمعاناة نبيلة كانت تتفاقم في كل مرة يتم التحقيق معها، فيضرب في جسدها وجعًا أقوى من المرة التي سبقته. تقول: "حقق الضابط معي بعد أسبوع من تواجدي في الدامون، أثّر ذلك على صحتي بشكل كبير، فلم أعد قادرةً على النوم، أوجاع في عيني ورأسي وظهري، ومهما تناولت من المهدئات والمسكنات لم يكن يجدي نفعًا، ولا سيما وأنا العالقة هناك عند دمعات أطفالي الذين تركتهم خلفي في غزة".
بعد 48 يومًا في سجن "الدامون"، وتحديدًا بتاريخ السابع من شباط/ فبراير الماضي، جاء الضابط الإسرائيلي وأخبر نبيلة: "اليوم إفراج إنتي". لم تتمالك نفسها من البكاء فرحًا لكنها سرعان ما صُدمت بالواقع المُر، عندما عرفت أنها لن تستطيع رؤية أطفالها حتى بعد الإفراج، بسبب فصل الاحتلال مدينة غزة عن مناطق جنوبي الوادي، خصوصًا وأن الإفراج عنها تم من معبر كرم أبو سالم في مدينة رفح جنوب القطاع.
تقضي اليوم نبيلة شهر رمضان وحيدةً بدون أولادها في رفح. تقول ودموعها على خديها: "نفسي أجتمع بأولادي وزوجي وأهلي. الحياة بعيدًا عنهم صعبة جدًا، وأنا لم أعد أقوى على الفراق خاصةً بعدما استُشهد أخوتي قبل اعتقالي".
























