شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م12:28 بتوقيت القدس

الحرب على غزة تجعل من البحث عن المياه "مهمة مستحيلة"

22 اكتوبر 2023 - 16:23

شبكة نوى، فلسطينيات: خاص - أحلام حماد

عبثاً تحاول أم جهاد عدوان "ضبط" استهلاك المياه في منزلها بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، ويقطنه حالياً نحو 50 فرداً، بعدما لجأت إليه أسرتان نزحتا من مدينة غزة، قبل ثمانية أيام، هرباً من حمم النيران الإسرائيلية، إثر تهديدات إسرائيلية لسكان شمال القطاع، وانذارات بالنزوح جنوباً.
وتتقاسم أم جهاد وزوجها معاناة يومية بالبحث عن المياه، بكل السبل المتاحة، وتوفيرها لأسرتها (24 فرداً) وضيوفهما النازحين (26 فرداً)، وحكايتهما مع أزمة المياه هي حكاية أكثر من مليوني فلسطيني في الشريط الساحلي الصغير، الذين يعيشون منذ بدء العدوان الإسرائيلي في السابع من الشهر الجاري حصاراً مطبقاً، ومنع إسرائيلي لكل امدادات المياه والكهرباء والوقود.
للأسبوع الثالث على التوالي تمنع دولة الاحتلال الإسرائيلي كل سبل الحياة عن الغزيين، وتدفع بالموت الذي يقتحم عليهم منازلهم بغارات جوية، وقصف مدفعي من البر والبحر، في واحدة من أعنف الحروب التي شنتها على غزة خلال السنوات الـ 15 الماضية، أسفرت حتى اللحظة عن استشهاد أكثر من 4400 فلسطيني، وأكثر من 13 ألفاً جريحا، جل  الضحايا من الشهداء والجرحى في أوساط النساء والأطفال، بحسب توثيق وزارة الصحة ومنظمات حقوقية محلية.
وتقول أم جهاد لـ "نوى" إن "المياه البلدية" -وتعني بها المياه المالحة التي تصل للمنازل عبر آبار جوفية-، لم تصل منزلها منذ اندلاع الحرب سوى مرة واحدة، فيما كانت قبل ذلك تصل 3 مرات أسبوعياً بالتزامن مع جدول وصل الكهرباء، ليتم رفعها عبر مولدات ومضخات إلى الخزانات فوق أسطح المنازل.
وبحسب لجنة الطوارئ الحكومية في غزة فقد توقفت البلديات عن ضخ هذه المياه للمنازل، نتيجة نفاد الوقود، ويقدر مساعد رئيس اللجنة المهندس زهدي الغريز في حديثه مع "نوى" أن 90% من منازل قطاع غزة تفتقر لأي من أنواع المياه سواء الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي، أو المياه المالحة المستخدمة للنظافة والاستخدامات المنزلية الأخرى.
وقالت أم جهاد إن البحث وتوفير أي من أنواع المياه في الوقت الحالي بمثابة "مهمة شبه مستحيلة"، مع إغلاق الكثير من محطات تحلية المياه أبوابها، وتوقف سيارات نقل وبيع مياه الشرب عن التجول في الشوارع، بفعل نفاد الوقود وطائرات حربية تحلق على مدار الساعة تبث الرعب والموت. 
وأدى ذلك إلى تزاحم المواطنين على آبار خاصة للمياه المالحة، والقليل من محطات التحلية التي لا تزال تعمل بالحد الأدنى، لتعبئة عبوات "غالونات" بلاستيكية، بالكاد تفي باحتياجاتهم اليومية، حتى اضطر البعض إلى شرب المياه المالحة وغير المعالجة، بحسب تأكيد المهندس الغريز.
ويقول: "لم تعد غالبية سكان غزة في حالة ترف للسؤال عن نوعية المياه، في ظل انقطاع كل مصادر المياه عن السواد الأعظم من المنازل، واضطرار الكثير من السكان لشرب المياه المالحة وغير المعالجة، ينذر بأزمة صحية خطيرة".
وبصعوبة بالغة ومعاناة شديدة وبسعر مضاعف، تمكنت أم جهاد من توفير كمية من المياه تكفي أسرتها والنازحين في منزلها، ليومين فقط، ولا تعلم هل ستتمكن من ذلك مرة أخرى. 
وأزمة المياه ليست وليدة هذا العدوان، الذي عمق من حدتها، فقطاع غزة يعاني عبر سنوات طويلة من ندرة المياه الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي، بحسب مساعد رئيس لجنة الطوارئ الحكومية، وقال المهندس الغريز، ويتولى أيضاً رئاسة بلدية خان يونس إن غزة تواجه "أزمة جفاف حقيقية"، وأكثر من مليوني فلسطيني معرضون لخطر العطش، أو الأمراض، جراء عدم توفر المياه للشرب والنظافة، حيث لم يعد هناك أي نوع من المياه متاح للبشر والشجر، وحتى المالحة المستخدمة للنظافة الشخصية والعامة.
وفي وصفه للأزمة الإنسانية الحادة التي تعصف بالقطاع، يقول: "كل شيء يموت في غزة شيئاً فشيئاً، وكافة مرافق الحياة وقطاعاتها في حالة شلل تام، وحتى وقود الطوارئ لسيارات الإسعاف والدفاع المدني سينفد خلال ساعات قليلة"، وما تبقى من محطات مياه محلاة لا تزال تعمل بالحد الأدنى، وبواسطة الطاقة الشمسية، تنتج -وفقاً للغريز- من 10 إلى 15 ألف كوب يومياً، في حين يحتاج سكان القطاع لنحو 300 ألف متر مكعب أي ما يعادل 3 مليون لتر يومياً.
وللمياه ثلاثة مصادر رئيسية في القطاع، وهي: الآبار الجوفية وما نسبته 97% إلى 99% منها غير صالحة بالمطلق للاستخدام البشري، نظراً لشدة ملوحتها، ومياه الشرب عبر الخطوط الإسرائيلية وتضخ 18 مليون متر مكعب بالسنة، ومحطات التحلية الثلاث في شمال القطاع ووسطه وتنتج مجتمعة من 4 إلى 5 مليون متر مكعب بالسنة.
وقال هذا المسؤول الحكومي إن 22 مليون متر مكعب تنتجها المصادر الثلاثة لا تفي بحاجة سكان القطاع، الذين يسدون النقص باستخدام مياه غير صالحة من الآبار الجوفية، وجميع هذه المصادر متوقفة تماماً منذ عشرة أيام، ولإطالة أمد وقوع الكارثة، اضطرت بلدية خان يونس وبلديات أخرى في القطاع إلى تسيير سيارات تابعة لها على متنها مولدات، لتعبئة خزانات المنازل في الأحياء المكتظة، من آبار خاصة لمواطنين، مياهها مالحة وغير معقمة ولا تصلح للاستخدام الآدمي، لكنها أصبحت ضرورة ملحة في زمن الحرب والحصار.

كاريكاتـــــير