غزة:
بقلق وتوتر شديدين، تنظر المواطنة فاطمة إلى الشواطئ التي تقترب تدريجيًا من منزلها في القرية السويدية أقصى جنوب غرب مدينة رفح، جنوب قطاع غزة.
وتحكي السيدة: "هذا النحت الذي يتعرض له الشاطئ بات أكثر خطورة على حياتنا في ظل استمرار تزايد المشكلة سنويًا"، قائلةً: "أفهمُ أن ما يجري لشاطئ البحر في قطاع غزة هو نتاج طبيعي للتغير المناخي الذي نعيشه، وتسبب في ارتفاع أمواج البحر".
ما تعانيه القرية السويدية منذ سنوات، تمامًا هو ما تعانيه العديد من المناطق الساحلية على شواطئ قطاع غزة، حيث ابتلع البحر جزءًا من شواطئ مدينة غزة وميناء الصيادين في مدينة دير البلح وسط القطاع.
ومع إدراك الناس أن كل ما يجري هو نتاج للتغير المناخي، ومن ضمنه موجات الأعاصير التي تضرب فلسطين بين عام وآخر، إلا أن التقلبات العالمية التي حدثت إثر إعصار درنة وزلزال المغرب، وغيرها من الظواهر أثارت القلق أكثر في نفوس المواطنين.
في مقابلةٍ مع "نوى"، يقول الخبير البيئي د.عبد الفتاح عبد ربه: "إن فلسطين ليست بمنأى عما يجري في كل العالم نتيجةً للتغير المناخي، الذي يعني تغيّرًا في وضع درجات الحرارة ما بين الارتفاع والانخفاض الشديدين، وارتفاع مستوى سطح البحر والأعاصير والحرائق، وحتى الزلزال والفيضانات، والدول الساحلية معرّضة للخطر أكثر من غيرها بما فيها فلسطين".
ويكمل أستاذ البيئة في الجامعة الإسلامية: "قبل 12 عامًا تقريبًا اشتعل جبل الكرمل في فلسطين نتيجة للارتفاع الشديد في درجات الحرارة، وما نشهده اليوم من حرائق في الكثير من البلدان مثل الجزائر وغيرها هو نتيجة للتغير المناخي، وهذا ينتج عنه تشريد آلاف المواطنين ونفوق كائنات حية وموت طيور مهاجرة، وموجات من التصحر التي تتسبب بمصاعب للبشرية".
فالتغيُّر المُناخي بمرور الوقت، يؤدي إلى جفاف بحيرات، وارتفاع أمواج البحار، وخطر على المناطق الساحلية التي تصبح عرضة للأعاصير والانجراف.
يتابع عبد ربه: "في دير البلح مثلًا، كانت غرف الصيادين تبعد أكثر من 50 مترًا عن الشاطئ، والآن المياه وصلَتها، بينما كانت منتجعات على شاطئ غزة تبعد نسبيًا عن البحر الذي وصلها الآن، وحتى ما يجري في القرية السويدية التي تتعرض فعليًا للخطر".
ويذكر عبد ربه أن الوضع في قطاع غزة كارثي، والمخاطر كبيرة، ويمكن أن يبتلع خط الشاطئ كله، فإن مخاطر إعصار ستؤدي إلى غرق مناطق، "إذ ليس لدينا سدود تحمينا، والسدود التي يقيمها الاحتلال كمصائد مائية يمكن أن تغرق منطقة وادي غزة في حال زادت كمية المياه، ويمكن للبرك مثل الشيخ رضوان وأبو راشد وغيرها، أن تتعرض للغرق أيضًا".
وذكر أننا -كفلسطينيين- لا نمتلك المقومات الكافية لمواجهة كل هذه التقلبات، في وقتٍ لا يلتفت فيه العالم لمسؤولياته التي قطعها على نفسه في مساعدة الدول التي تضررت من التغير المناخي، وتعهّداتهم كلها مجرد حبر على ورق.
بدورها تحدثت د.هالة الحرازين رئيسة قسم الجغرافيا في جامعة الأقصى سابقًا عن تبعات التغيّر المناخي، التي باتت تنعكس بشكلٍ أقسى على العالم كله، بما فيه فلسطين، وما نشهده من تقلبات جوية هي نتاج لهذا التغير، الذي تتضرر منه الدول النامية أكثر من غيرها، "خاصةً وأن موضوع التغير المناخي هو شأن عالمي، تتأثر به جميع الدول، وإن كان هناك اختلافات بين دولة وأخرى".
وتابعت: "دول العالم بدأت باتخاذ خطوات لتقليل الانبعاثات الحرارية عن طريق الطاقة النظيفة وتقنيات العزل الحراري، واستبدال الوقود بمواد أخرى صديقة للبيئة؛ للحد من التلوث الناتج عن استخدام الوقود الذي تسببَّ في ارتفاع حرارة الكوكب".
وتابعت الحرازين: "إذا تواصل ارتفاع درجات الحرارة الذي نشهده سنويًا، فإن تداعيات ذلك خطيرة على دورة الطبيعة والغطاء النباتي والمحيطات، سيكون الوضع كارثيًا من حيث موجات الجفاف والأمطار الغزيرة والأعاصير المدارية والفيضانات، وسيتواصل ارتفاع مستوى البحر حتى يصل لما يزيد على متر قبل نهاية هذا القرن".
فالنشاط البشري الجائر بحق البيئة، تسببَ حتى الآن في غرق سواحل نتيجة ارتفاع مستوى البحار، وذوبان صفائح من الجليد، وهذا سيضيف سنويًا ما بين 14-114 سنتيمترًا إلى مستوى البحار، كذلك فإن موجات الجفاف تتزايد، وهذا خطر يهدد الجميع، وعقبت: "مع زيادة الاحترار العالمي وتغير أنماط هطول الأمطار، وتواتر موجات الجفاف، هناك أنواع من الكائنات الحية والنباتات سوف تنقرض مستقبلًا، وهذا خطر على التنوع الحيوي".
ومقابل هذا التغير الفادح في المناخ كما تحكي الحرازين، فإن خطرًا شديدًا يواجهنا من حيث نقص الغذاء وهذا نشعر به جميعًا إضافة إلى المخاطر الصحية وارتفاع ضحايا الفيضانات والأعاصير، حيث تقدر منظمة الصحة العالمية وفاة 529 ألفًا بحلول عام 2050، بسبب التغير المناخي، وسيكون ملياران من البشر عرضةً للأمراض نتيجةً لذلك، و600 مليون آخرون عرضة لسوء التغذية.
وتتفق الحرازين مع عبد ربه في أننا لا نمتلك الإمكانيات الكافية لمواجهة تبعات التغير المناخي بينما لم تلتزم دول العالم بتعهداتها، التي قطعتها على نفسها لمواجهة هذا الخطر.
























