غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"لم تكن على أيامنا هكذا" تقول منى نصار (40 عامًا) واصفةً حال "التوجيهي" بغزة، وتضحك. فهي واحدةٌ من أبناء وبنات الجيل الذي لم يعرف ملازم التلخيص، ولا الدروس الخصوصية، وشروح اليوتيوب، ونماذج الامتحانات السابقة، ورغم ذلك "ما كان توجيهي هيك.. والله اللي متوفر اليوم للطلبة دلع" تعقب.
لا تقلل منى من جهد الطلبة المبذول في الدراسة، ولا من صعوبة المناهج وحاجتها للتدقيق والتركيز، بل تعي تمامًا أن كل طالبٍ لا يحصد من النجاح إلا نتاج جهده، لكنها تستدرك: "وشئنا أو أبينا أن نعترف، كل الأسئلة إجاباتها في الكتب الوزارية، وحتى لو كانت الأمثلة خارجية، فإن طرائق حلها موجودة في الكتاب".
وضعت منى يدها على الكثير من المفارقات المفصلية بين توجيهي العام الذي قدمته فيه (2000م)، وبين توجيهي الذي تقدمه ابنتها اليوم، حين عادت بذاكرتها إلى الوراء، وبدأت تقول: "كان المنهاج مصريًا بعدد 7 مواد، كانت سنةً مصيرية بالفعل، لكن لم تصل حالتنا فيه لحد الرعب والقلق الذي يعيشه طلبة اليوم! حتى اهتمام أهالينا بالفكرة كان بسيطًا، يسألون عن دراستنا كيف هي؟ ويطمئنون بأننا لا نحتاج شيئًا يعيننا على النجاح وفقط، أما اليوم فالأهل يهتمون بزيادة كبيرة.. لأسباب مختلفة، منها ما يتعلق برغبتهم بدراسة أبنائهم تخصصًا معينًا، وهذا بكل الأحوال ليس من حقهم، أو للخشية من نظرة المجتمع ولمزات الأقارب، أو لمنافسة أبناء الأقارب وغير ذلك".
لم تعش منى ما يسمى اليوم بحالة الطوارئ وحظر التجوال داخل المنزل الكائن بمخيم الشاطئ للاجئين، والمعروف بتلاصق بيوته وأبنيته، وأسقف الزينكو التي كانت تكوي جلود أهلها في الصيف، وتغسل رؤوسهم بسراسيب الماء في الشتاء. تكمل: "عشت في بيت عائلة وكانت أبوابنا مفتوحة للجميع حتى في أوقات الامتحانات. كنتُ أجلس في غرفتي وأدرس، وكان جيراننا يسمعون صوتي أثناء الدراسة، ويتابعون دروسي معي، حتى أن جاراتنا كُن يخبرنني عن اسم الدرس الذي راجعته اليوم ويضحكن".
في تلك الأيام، كان الذهاب إلى الامتحان خفيفًا -وفق منى- التي كانت تودع والديها وتطلب منهما الدعاء، ثم تعود بهدوء ودون توتر. "كانت أمي تطلب مني نسيان أخطاء اليوم للتركيز في امتحان الغد، فالحزن على ما فات لا يجدي نفعًا، ولم تكن ترافقني إلى باب المدرسة، ولا أذكر أنني رأيت أمًا تنتظر ابنتها أو ابنها عن الباب يومًا" تزيد.
وتقول: "حتى الإعلان عن النتائج لم يكن له طنة ورنة، كانت تعلق أسماء الناجحين والناجحات على جدران المدارس، وتُنشر في الجرائد، والإذاعات المحلية. لم تكن تصلنا على هواتف محمولة أو غير ذلك".
ابنتها لونا قاطعتها بينما كانت تقلب صفحات كتاب الجغرافيا، وسط تذمر من الكم المعلوماتي الذي وصفته بـ"الهائل" فيها، وأضافت: "الظروف المعيشية والتعليمية والبيئية اختلفت عن كل ما تفضلت به أمي. زماننا مختلف، ففي أيامهم لم يكن هناك انقطاع للتيار على ساعات متواصلة، ولم يعيشوا عدوانات متتالية مثلنا".
وترى لونا أن لجان الاختبارات أكثر تعقيدًا من ناحية الرقابة والصرامة التي تفرضها الوزارة، ناهيكم عن وجود أجهزة الشرطة والإسعافات في المدرسة، "هذا وحده يجعل الطالب مرتبكًا للغاية وهو يكتب إجاباته"، مردفةً: "الانقسام لم يكن قبل 23 عامًا، ما نعيشه من أوضاع سياسية واقتصادية يؤثر شئنا أو أبينا. إضرابات المعلمين في الضفة أثرت على الاختبارات في بغزة رغم أن مدرسو غزة لم يضربوا".
وتشير إلى أن معظم المدرسين نصحوا الطلبة بعدم التركيز على الوحدات التي تم تدرسيهم لها أثناء فترة إضراب الضفة، وقالوا إن احتمالات أن لا تأتي في الامتحان كبيرة، "لكن ما حدث كان عكس التوقعات، وهذا أوقع معظمنا في مشكلة كبيرة".
في ذات السياق يضع ضياء سعد، وهو أب لطالب توجيهي للعام الحالي، اللوم في رسم "بعبع التوجيهي" على التكنلوجيا، ووسائل التواصل الاجتماعي، "التي تمثل نقمة أكثر منها نعمة" يقول لـ"نوى".
قدم الأب ضياء توجيهي عام ١٩٩٧م، وكان يذهب للامتحان بهدوء، ودون أي توتر، بعد الدراسة والمراجعة، "حتى أن أهلي لم يكونوا يعلمون بالمادة التي أقدمها إلا إذا قلت لهم" يضيف.
ويكمل: "كان كل شخص مشغول بعمله، لا أحد يسأل ليس من باب عدم المبالاة، لكن على فطرتهم، كانوا على يقين بأن نجاح كل إنسان له هو، وفشله له هو أيضًا"، واصفًا توجيهي اليوم بقوله: "صيت، ومظاهر للاحتفال والمكايدة فقط.. هذا ما صنعه الإنترنت".
ابنه رامز (طالب هذا العام)، قاطعه مشيدًا بأوضاع الدراسة زمان، وقال: "أنا مستاء جدًا من بعض المواقف التي تحدث أثناء تقديم توجيهي اليوم: وقوف الإعلام أمام المدارس لمقابلة الطلبة، وانتشار مقاطع فيديو مسيئة لتعبيرهم عن خوفهم وحزنهم وبكائهم، وتنمر الناس عليهم، ووقوف الأهل في الأسفل هذا أيضًا يشكل حالة إرباك كبيرة".
يذكر رامز أيضًا، ما يفعله بعض المدرسين من مناقشة لإجابات الامتحانات، وتقديم النصائح للطلبة بالتركيز على فصول دون غيرها عبر صفحاتهم الشخصية "فيس بوك"، وتويتر، أو من خلال البث المباشر، وهو ما يجعل الطالب في حالة تشتت، "إذ يضطر لمتابعة الهاتف على الدوام، بالإضافة إلى متابعة الكتب والملازم وجروبات الطلبة، وهذا حقًا موتر ومضيعة للوقت" يعلق.
بالعودة إلى والد رامز، فقد بين أنه يحاول وضع ابنه في أجواء لم يعتد عليها في زمني، مضيفًا: "أدرك أن لكل مرحلة اختلافاتها، فأنا أحاول أن أوفر له الهدوء قدر المستطاع، وأن أتابع معه أنا ووالدته أولًا بأول. أحاول تلبية جميع متطلباته، والمهم أن لا يترك كتبه".
وتؤكد المرشدة الاجتماعية والنفسية فاطمة منير، أن مرحلة الثانوية العامة بفلسطين، مرت بعدة تحولات خلال 23 عامًا الماضية، "منها تغيرات مجتمعية، وتعليمية، واقتصادية، وسياسية".
وبالتالي (والحديث لها) من الطبيعي جدًا أن تؤثر على الطالب وأسرته، موضحةً أن طالب التوجيهي أصبح يتعرض لعبارات نمطية من المجتمع والأسرة قد تضعه تحت ضغوطات -وإن لم تكن مقصودة- مثل: "انتبه توجيهي السنة، بدنا نشوف كم راح تحصل. دير بالك إنت توجيهي- توجيهي مرحلة مفصلية في حياتك"، إضافة لعبارات الأهل المختلفة، وخوفهم على ابنهم، وخشيتهم من نظرات المجتمع في المحيط القريب في حال حصّل معدلًا منخفضًا، "فكثيرًا ما تردد بعض الأمهات عبارات مثل: "بدي تنجح وتبيّض وجهي. اوعك ترسب والله بنجلط"، وهذا ما لم يعهده الجيل السابق، وأصبح يشكل ضغطًا على الطالب قد يحفزه للنجاح، وقد يضعه تحت خوف وتوتر واضطراب يدفعه للفشل".
وتنصح الأهالي بمتابعة دراسة أبنائهم بتوازن، دون ضغط، أو إظهار للتوتر والقلق، وأن يحاولوا تحفيزهم لتحقيق أحلامهم وأهدافهم المستقبلية بإقناعهم أن توجيهي معبر لهذه الأحلام، وليس نهاية الكون.
وتقدم لامتحانات الثانوية العامة "توجيهي" للعام الحالي 2023م، 87 ألف طالب وطالبة في كافة محافظات الوطن، من بينهم 38 ألفًا من قطاع غزة.
























