غزة:
أخيرًا، وعند الساعة الثامنة مساءً، انتهى الشاب سليمان رفيق "22 عامًا" من تصليح سيارة أحد الزبائن، بدّل ملابسه سريعًا، وعاد إلى بيته منهك القوى، بعد يوم عملٍ طويلٍ وشاقٍ دام 12 ساعة متواصلة.
سليمان، شاب غزّي أجبرته ظروف البطالة أن يكون عاملًا في ورشة تصليح سياراتٍ بمدينة غزة، وكغيره من عمال القطاع الباحثين عن العمل والمقدّر عددهم بنحو 250 ألفًا، فإن العمل باليومية، يكون عادة بلا عدد ساعات محدد وبأجرٍ يومي بالكاد ينفق منه على نفسه، وهذا هو واقع عمال فلسطين في اليوم العالمي للعمال الذي يوافق 1 مايو من كل عام.
سليمان: الأجر الذي أتلقاه بالكاد يوفر نفقاتي الشخصية
يقول سليمان لنوى: "الأجر الذي أتلقاه بالكاد يوفر نفقاتي الشخصية"، ويضحك لدى سؤله إن أراد التنزّه يومًا مع أصدقائه: "لا وقت لهذا، بالكاد أستريح يومًا في نهاية الأسبوع".
رفض سليمان الالتحاق بالجامعة لاعتقاده أن ظاهرة البطالة التي تجاوزت نسبتها 54% في قطاع غزة، أكلت أعمار الخريجين "بلا فائدة"، يعقّب: "كي لا أحرق أعصابي في التعليم ثم البطالة، اختصرت الطريق وعملت في ورشة تصليح سيارات، لكن العمل في غزة لا يكفي لتأسيس حياة، فهذا لا يتوفر إلا بتصريح للعمل داخل الخط الأخضر، لكن لا تنطبق عليّ الشروط كوني غير متزوج، وفي ذات الوقت لا يمكنني الزواج بالدخل الحالي".
محمود: يوم طويل مقابل 25 شيكلًا، كل هذا بالكاد يكفي مصروف شخصي لي ولزوجتي
محمود "27 عامًا"، شاب غزّي آخر يعمل في أحد محلات الأدوات المنزلية، انتهى يوم عمله الساعة 10 ليلًا، وعاد إلى بيته، يقول: "يوم طويل مقابل 25 شيكلًا، كل هذا بالكاد يكفي مصروف شخصي لي ولزوجتي".
يشتكي محمود كغيره من عمال القطاع من تدني الدخل وطول ساعات العمل، إضافة إلى التقصير إكراهًا في الواجبات الاجتماعية، يعقّب: "لا أستطيع أداء واجباتي الاجتماعية في كل المناسبات، ولا أتمكن من تقديم العيدية لكل من أود معايدتهم في الأعياد، هذا عبء كبير، لولا أنني أعيش مع والدي في بيت العائلة لما تمكنت من مواصلة حياتي، لكن إمكانية بناء شقة مستبعد تمامًا".
ياسر، شاب آخر يعمل في مهنة "البلاط" لحسابه الخاص، لكنه لا ينسى تلك الفترة التي تعرض فيها لأزمةٍ جعلته يعمل لفترةٍ لدى أحد أصحاب العمل.
ياسر: العمل الفردي نعمة حين عملت بأحد المصانع لم يتجاوز دخلي 25 شيكلًا يوميًا
يقول: "العمل لحسابي الخاص نعمة، فإن زاد الدخل أو قلّ هو لي، أما حين عملت عند أحد المصانع، فإن دخلي اليومي كان 25 شيكلًا، بالكاد أوفر فيها نفقات بسيطة وبأقّل الإمكانيات".
لكن ياسر الذي تربطه علاقات بالكثير من العمال بحكم طبيعة عمله، يجزم إن واقعهم البائس مستمر منذ زمن، ولم يتحسن على الإطلاق، لا دخل جيد، ولا حقوق ولا إجازات، ولا ساعات عملٍ معقولة، ولا معاملةٍ جيدة.
التقت "نوى" محمد طبيل، مدير دائرة التشغيل بوزارة العمل الذي هنّأ العمال في يومهم العالمي، متمنيًا أن يكون العام القادم أفضل.
فواقع العمال في قطاع غزة صعب نتيجة الحصار الإسرائيلي المشدد منذ 17 عامًا وإغلاق المعابر، وهو أمر تسبب في عدم قدرة القطاع الصناعي على استيعاب عمال، حيث بلغت نسبة البطالة 45% حسب تقديرات وزارة العمل، منهم 74% في صفوف الشباب، وبلغ عدد المتعطلين 250 ألف باحثٍ عن عمل مسجلين لدى الوزارة، منهم 140 ألف عامل.
طبيل: 250 ألف باحث عن العمل في قطاع غزة 74% منهم شباب
وانعكست البطالة سلبًا على الواقع الاقتصادي لكل قطاع غزة الذي يعاني المنع من التصدير، ولم يحقق تنمية مستدامة، ويضيف طبيل إنه حتى العمال يعانون الكثير من المشاكل، والوزارة من خلال دائرة التفتيش تحاول الوصول إلى حلٍ في موضوع الحدّ الأدنى للأجور.
ويتابع: "فرق التفتيش لا تستطيع زيارة كل المنشآت بسبب نقص الكوادر البشرية، لكنها تزور الأكثر خطورة، نفذت العام الماضي نحو 1600 زيارة تفتيش، وهناك ملف إصابات العمل ونزاعات العمل، حيث تم في العام الماضي وحده متابعة 755 شكوى وأنجزت الوزارة 550 مخالصة بقيمة 11 مليون شيكل، إضافة إلى ملف إصابات العمل الأكثر أهمية، فالعام الماضي شهد أيضًا حالة وفاة لأحد العمال".
شكّلت وزارة العمل لجنة تضم عددًا من الوزارات وممثلين عن القطاع الخاص والاتحادات العمالية، بهدف دراسة موضوع الحد الأدنى للأجور والخروج بتوصياتٍ قابلة للتطبيق، ويشير طبيل إلى أن صعوبة الواقع الاقتصادي تسببت في تدني مستوى الأجور.
اما وزارة العمل، فما زالت تعمل على توفير فرص العمل المؤقتة، حيث وفرت العام الماضي 9000 فرصة، إضافة إلى متابعة تصاريح العمل في الداخل المحتل، وهناك 19 ألف تصريحٍ ساري المفعول حاليًا، إلى جانب صندوق الإقراض الذي يوفر القروض الحسنة للراغبين في افتتاح مشاريع صغيرة، إضافة إلى التأمين الصحي الذي يستفيد منه 180 ألف عامل بقيمة 78 مليون شيكل، لكن طبيل يشدد على أنه دون رفع الحصار وضخ الكثير من المساعدات الدولية لا يمكن حل المشكلة.
























