رام الله:
يقترن إعداد الخبز في منزل مسنّة فلسطينية بتوزيعه من باب "حفظ الود"! هي عادةٌ لا تنقطع أبدًا لدى الحاجة عريفة (أم أيمن) منذ عشرات السنين، بل "قانون" تُطبّقه مرةً كل أسبوع منذ كانت صبيّة. تستيقظ فجرًا كي تخبز العجين على نار الحطب، وتوزعه مع أشعة الشمس الأولى لأصحاب النصيب.
"واللي بيجي بطعميه"، تقول، مردفةً: "واللي بيشم ريحته وبيشتهيه ييجي يطلب وبكل رحابة صدر بعطيه"، إذ يطرق بابها أحيانًا أناسٌ ساقتهم إليها رائحة خبزها النفّاذة "لا هم محتاجون ولا يحزنون".
في الكواليس، لا يقف الأمر عند غدوّه "عادة"، بل إنه جزء أصيل يكشف شخصية صاحبته. تمامًا كأصالة ثوبها المطرز الذي تسير فيه كالغزالة رغم بلوغها الثمانين! وارتداؤه هنا، لا يسير وفق مناسبة كما أصبحت الناس تفعل حاليًا، بل إنه الزي الرسمي لها خلال إعدادها الخبز.
تقول: "الخبز على الحطب، بطريقة إعداده هو تراث فلسطيني يجب أن يًدرّس، وسط حالة الفوضى التي يخلقها الاحتلال الإسرائيلي بسرقة الكثير من المأكولات الفلسطينية والعربية ونسبها إليه".
وتضيف: "لا ينقطع الناس عني أبدًا. أنا أصنع كميات وفيرة، وأصحب منه معي في الزيارات العائلية وحتى في السفر، فقد أوصلته إلى أمريكا أيضًا".
صنع الخبز من منظورها، هو رزق وعطاء سُخّر بيديها، تمارسه بكل حب وطيبة نفس، وأكثر ما يسعدها في الحياة أن يطرق أحدهم باب منزلها قائلًا "بدنا خبز يا حجة أم أيمن".
ويدخل في صناعة خبز أم أيمن دقيق القمح، والملح والماء، تعجنه في إناء كبيرة ثم تفرده بيديها على لوح خشبي قبل أن يوضع على نار الحطب، شكله رقيق وطعمه لذيذ، يؤكل مع الزعتر والدقة والبندورة وقلاية "الشكشوكة" الفلسطينية.
تتحدث أم أيمن بأنها تصنع الخبز يومًا في الأسبوع، وأحيانًا أكثر، "المهم أن لا أرد سائلًا يطرق بابي" تعقب.
يسألها البعض "وين تودي خبزاتك يا حجة؟ ألا تتعبين؟"، لتجيب بأن أي استمتاع بالحياة يحتاج إلى تعب، وهذه متعتها. أن تصنع الخبز وأن يطلبه الناس وأن يشكرونها بدعوة.
























