نابلس:
"كانوا يلبسون ملابس شيوخ، خرجوا من الجامع المجاور وصعدوا إلى البيت، وبدأ إطلاق النار. كان مشهدًا مرعبًا"، قالتها طفلة فلسطينية من مدينة نابلس، وأجهشت بالبكاء.
الطفلة التي كانت تتحدث للصحافيين، تروي ما حدث في البلدة القديمة حين اقتحمت قوات خاصة منزلًا قديمًا، وفتحت نيران أسلحتها الرشاشة صوب المواطنين بالمنطقة بعد حصارها بالكامل في دقيقة، مستهدفةً شابين كانا بالمنزل. جريمةٌ أُغلق بابها على دماء 11 شهيدًا، وأكثر من 70 إصابة.

فتى آخر من المنطقة تحدث عن شابين اشتريا من الدكان بعض الحلوى، وكانا يحملان مدفأةً صغيرة، "صعدا إلى المنزل، وبعدها بدقيقتين حضر شيخٌ يلبسُ دشداشة، وصعد خلفهم ومعه ثلاثة يحملون سجادات صلاة. لحقنا بهم، وسرعان ما فتحوا السجادات، وأخرجوا منها أسلحة، ووجهوها نحونا، وفي ذات اللحظة خرج نحو 20 شخصًا من مراحيض المسجد المجاور، وفتحوا النار على الجميع، وقتلوا الشابين وعدد من المتجمهرين".
الجريمة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية الخاصة، وحاصرت مربعًا سكنيًا خلالها، فتحت 11 بيت عزاء، وجراحًا في الوطن بأكمله.
رواياتٌ مُفجعة عن الضحايا وعائلاتهم، واحدة منها صراخ الممرض الشاب إلياس الأشقر بعد فشل جهود إنقاذ حياة مصاب بحالة خطرة، حين رفع بصره إلى وجه الشهيد ليصرخ بملء فيه "هدا أبوي، هدا أبوي".

صراخٌ وثقته تسجيلات المستشفى، لكن لم ولن توثقه ربما وثائق المجتمع الدولي، الذي يصمت إزاء جرائم الاحتلال في فلسطين، التي بلغ عدد ضحاياها 63 شهيدًا منذ بداية العام، وحتى صباح هذا اليوم حيث استشهد الشاب محمد صبّاح (29 عامًا) من مدينة جنين.
ويروي مراسل تلفزيون فلسطين بكر عبد الحق في رسالةٍ على الهواء من المكان، الكثير من التفاصيل القاسية المتعلقة بحصار الشابين، واستهداف مربعٍ سكنيٍ بأكمله معروفٌ باسم "حوش زلوم"، وترويع المدنيين وتعريضهم للخطر في ظل استخدام بعض هذه المنازل كمراكز للقناصة من قبل الاحتلال.
ويتحدث عبد الحق الذي كان يقف على أنقاض المنزل المُستهدف، الذي تعرّض للقصف الإسرائيلي: "المنازل المجاورة تأثرت بشكل كبير"، ويشير بإصبعه إلى منزلٍ قريب، ثم يكمل: "هذا البيت تم تأهيله مؤخرًا لشابٍ يعتزم الزواج قريبًا. الاحتلال دمّره بشكلٍ كامل، واستخدم تلك النافذة لإطلاق صاروخ باتجاه المنزل المستهدف. كل البيوت المجاورة اعتلتها قناصة الاحتلال".

ويروي عبد الحق أن شبابيك المنازل المجاورة تطايرت من شدة الانفجار، بينما يرفع بقايا ملابس أغرقتها الدماء، ويقول: "كان هذا بشكير الشهيد محمد الجنيدي وعليه قطرات من دمه، وهذه جاكيت الشهيد مزّقتها الرصاصات وشظايا القذيفة، ويبدو أن جنود القوات الخاصة نزعوها عنه بعد استشهاده، وهذا غطاء يبدو أنه للشهيد حسام اسليم".

مقتنيات المنزل بأكملها تطايرت من شدة الانفجار (وفق عبد الحق)، وعلى أحد الحجارة هناك آثار دماء نزفت من رأس الشهيد وليد، الذي لم يكن متواجدًا مع محمد وحسام، بل حضر إلى هنا عند حصارهما في محاولةٍ لفك حصارهما، فاستشهد معهما.
منذ وقوع الجريمة، عمّ الإضراب الوطن، وخيّمت حالة الحزن على الجميع، وأغلقت المدارس والمؤسسات اليوم أبوابها، لكن الأمور تبقى مفتوحة على الكثير من الاحتمالات.
تقول المحللة السياسة ريهام عودة لـ"نوى": "إن ما يحدث في نابلس وجنين هو تطبيق عملي لقرارات الكنيست الإسرائيلي التي اتخذها عقب عملية القدس، باستهداف المقاومين وجمع السلاح"، مضيفةً: "وبالنسبة لنابلس فهي مسقط رأس عرين الأسود وفيها تتركز المقاومة، بالتالي تم تكثيف استهدافها، حيث دخلت القوات الخاصة في عمق مدينة مكتظة بالسكان، وهذا ما أنتج العدد الكبير من الشهداء والإصابات".
وتابعت: "المواطنون اكتشفوا القوات الخاصة، وحاولوا عرقلة جريمتهم، وتصدّوا لهم بكل ما تمكنوا، فألقوا الحجارة، والزجاجات الحارقة، ودلاء الطلاء، لكن ما يجري فعليًا هو جريمة معدّ لها جيدًا".
رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، يحاول من خلال هذه العمليات ضمان استقرار حكومته المهددة -حسب عودة- التي تواجه الكثير من التحديات الداخلية، أولها المعارضة في الشارع الإسرائيلي التي تنتظر أي فرصة لإنهائها.

وتتابع: "هناك التحدّي الأمني المتمثل في تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية، التي أصبحت تسقِطُ عددًا من القتلى في صفوف المستوطنين، وبالتالي الاحتلال يريد السيطرة بأسرع وقت ممكن، وقبل شهر رمضان تحديدًا حيث تكون مشاعر المسلمين جياشة أكثر، لذلك تكثّفت الاعتداءات حاليًا بشكل كبير".
وعدّت عودة ما يجري فشلًا لجهود إدارة "بايدن" التي تسعى لتهدئة الأوضاع في المنطقة، معقّبة: "إن الدور الأمريكي يشبه مطفأة الحريق للصراع، ولكن الحزب الديمقراطي ليس له تأثير كبير لدى حكومة اليمين الإسرائيلي التي تتحالف أكثر مع الجمهوريين. هناك ملفات شائكة بينهم مثل الملف الإيراني، وبالتالي هم يبقون على الشراكة معهم ولكن العلاقة ليست ممتازة، وليس هناك تأثير في الملف الداخلي الإسرائيلي خاصة بالنسبة للملف الأمني".
وتوقعت عودة المزيد من التصعيد في المرحلة المقبلة، "لا سيما خلال شهر رمضان"، مستبعدةً دخول قطاع غزة على خط المواجهة بشكل مباشر، "فما يجري هو عملية ترتيب أدوار بين المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة".
وتزيد: "رغم الانقسام الجغرافي لكن هناك رؤية موحّدة بين فصائل المقاومة الفلسطينية، والوضع بالنسبة للمقاومة لا يشبه الحال الذي عليه المستوى السياسي"، مشيرةً إلى أن الفلسطينيين لا يملكون حاليًا سوى الأساليب التقليدية "باستثمار المساحات القانونية والدبلوماسية التي نستطيع الوصول لها، من حيث توثيق جرائم الاحتلال، ودعوة المجتمع الدولي لبناء موقفٍ ضدها، ولكن الموضوع أكبر من ذلك بكثير كونه متعلق بصراع مستمر، وتحرير وطن".
من آثار المنزل المستهدف
مواجهات مع الاحتلال في نابلس


تشييع الضحايا


الإضراب العام في نابلس حدادًا على الشهداء


























