غزة:
"زيارةٌ تقليدية من حيث الشكل والمضمون"، هكذا ينظر الشارع الفلسطيني إلى زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن لفلسطين، حيث فقد الأمل في موقف الإدارة الأمريكية "المتآكل" إزاء القضية الفلسطينية.
سقف التوقعات الفلسطيني لم يكن عاليًا هذه المرة أيضًا، فالموقف الأمريكي المنحاز غالبًا للاحتلال الإسرائيلي، لن يختلف عندما يقرر قادته لعب موقف "الوسيط النزيه"، وهذا ما أكده اجتماع بلينكن بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، في مدينة رام الله أمس.
انتقادٌ خجولٌ للنشاط الاستيطاني في الضفة، وتصريحٌ "موارَب" برفض الولايات المتحدة لبرنامج الحكومة الإسرائيلية الجديدة، الداعي لتعزيز المستوطنات، وشعورٌ بالأسف لمقتل فلسطينيين أبرياء في ما أسماه "أحدث تصعيد للعنف خلال العام الماضي".
بلينكن -وخلال اجتماعه مع عباس- تحدث فقط عن مساعدت مالية للسلطة الفلسطينية، والإغاثة المدنية، ورفع مستوى الشبكة الخلوية للفلسطينيين "كإجراءات لبناء الثقة"، وفي المقابل لم يقدم أي خطوة سياسية استراتيجية، كما هو متوقع من وزير خارجية دولة عظمى كالولايات المتحدة.
ووفقًا لصحيفة "هآرتس" العبرية، فقد سمع الرئيس عباس من بلينكن، تحفظًا على قرار وقف التنسيق الأمني، لكن الأول رد بأن "ضبط النفس في هذه الأمور غير ممكن".
على الطرف الآخر من المشهد، كانت التسريبات التي وصلت الإعلام الإسرائيلي والدولي عن لقاء بلينكن برئيس وزراء حكومة الاحتلال المتطرف بنيامين نتنياهو بالحد الأدنى، حيث اقتصرت المنشورة منها على الحديث عن تأكيده التزام بلاده بأمن "إسرائيل" أكثر من أي وقت مضى، مؤكدًا بأنها (بلاده) تعمل على تعميق "اتفاقات أبراهام" لتعزيز هذا الأمن في المنطقة.
وتأتي زيارة بلينكن للمنطقة -وفق ما روجت وسائل الإعلام الأمريكية- ضمن جولة شرق أوسطية، للدعوة إلى التهدئة ووقف التصعيد في الأراضي الفلسطينية، ذلك بعد عملية القدس الأخيرة التي قُتل فيها 7 إسرائيليين، ردًا على الاقتحام الإسرائيلي لمخيم جنين الذي أوقع 10 شهداء فلسطينيين.
المحللة السياسية د.أماني القرم، تقرأ تصريحات وزير الخارجية الأمريكي في سياق موقف إدارة الرئيس جو بايدن من القضية الفلسطينية بشكل عام، "المعروفة باستراتيجية إبقاء الوضع على ما هو عليه، في إطار الهدوء النسبي، وتحسين الحياة الاقتصادية للفلسطينيين، بالتزامن مع الحديث المتواصل عن حل الدولتين، دون خطوات لتحقيقه".
وتقول لـ"نوى": "زيارة بلينكن تأتي في وقت تتصاعد فيه حدّة المقاومة الفلسطينية والاعتداءات الإسرائيلية، في حين أن هدفها الإساسي هو قضية السلاح الإيراني! هذه هي السنة الثالثة لولاية بايدن، بينما لم يحقق أي خطوات حقيقية على الأرض، ولم يطرح أي مبادرة لحل الصراع"، ملفتةً إلى أن مرافقة مديرَي المخابرات المصرية والأردنية لبلينكن، قد تكون في سياق "عرض الخطة المصرية للتهدئة وليس للحل".
وتجزم القرم بإن بايدن، مارس ضغوطًا على السلطة الفلسطينية من أجل عودة التنسيق الأمني، التي تعد الإدارة الأمريكية وقفَه خطوةً أحادية الجانب من طرف السلطة الفلسطينية، "بل ومساوية للاستيطان والاعتداءات الإسرائيلية المتفاقمة".
واستبعدت إمكانية أن يكون هناك دور للإدارة الأمريكية في ممارسة أي ضغط على الاحتلال للاستجابة للمطالب الفلسطينية، لا سيما في ظل وجود حكومة يمينية متطرفة، مؤكدةً أن تواصل المقاومة بحدّ ذاته، ورقة قوة بيد الفلسطينيين، ووقود لإحياء القضية دوليًا.
تعقب القرم بالقول: "القيادة الفلسطينية حافظت دومًا على خطاب متوازن، لكن المشكلة في الموقف الأمريكي، الذي لا يتقبل طرح المطالب الفلسطينية على الطاولة"، مردفةً: "ولهذا، ليس أمامنا سوى الاستمرار بالمطالبة بالحق الفلسطيني، ودعم المقاومة الشعبية، وتفعيل الدبلوماسية الشعبية، من أجل الإبقاء على القضية حيّة".
بدوره، يرى المحلل السياسي د.منصور أبو كريم، أن زيارة بلينكن تأتي في سياق تهدئة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، بعد وصول نتنياهو للسلطة وتصاعد حدّة المواجهة، قائلًا: "هناك قلق أمريكي من التصعيد أكثر، خاصة ونحن مقبلون على شهر رمضان حيث جرت العادة أن تتصاعد المواجهات بعد تأدية الشعائر الدينية بسبب اعتداءات الاحتلال".
وأضاف: "تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية غير مريحة للإدارة الأمريكية التي تشعر بالقلق من حدوث انتكاسة في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، التي عملت على ترميمها خلال العامين الماضيين، إبان حكومة بينيت لابيد، التي تضررت خلال فترة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب".
وتابع: "زيارة بلينكن لم تأتِ بجديد عما قدّمه بايدن سابقًا، والهدف منها عدم وصول الأوضاع لحافة الانهيار، لكنه –أي بلينكن- أكد خلال مؤتمر مع نتنياهو، ضرورة الوصول لحل الدولتين، "وبالتالي هناك رسائل سياسية حاولت الولايات المتحدة إرسالها لإسرائيل، كون هذا الخيار هو الأكثر واقعية لإعادة الهدوء للشرق الأوسط".
الزيارة عمومًا -حسب أبو كريم- كانت مرضية للجانب الفلسطيني بنتائجها، خاصة وأن ضغوطًا أمريكية مورست على نتنياهو فيما يتعلق بعدم المساس بالمقدسات، ورفض مشروع الضم، واقتطاع أموال المقاصة والضرائب، "فهناك موقف أمريكي صحيح غير متقدم، لكن في ظل تركيبة حكومة الاحتلال الحالية هي مطمئنة للجانب الفلسطيني، بأن الولايات المتحدة لن تكون دافعًا لما تمارسه حكومة نتنياهو"، ملفتًا إلى وجود اختلاف كبير بين مواقف الإدارة الأمريكية الحالية، والسابقة.
وتطرق أبو كريم للحديث عن اجتماع مديرَي المخابرات المصرية والأردنية يوم أمس، مشيرًا إلى وجود موقف عربي يتشكّل بقيادة مصر والأردن، ملخصه "عدم التعاطي إيجابيًا مع حكومة الاحتلال".
ولفت إلى الأخبار التي تحدثت عن زيارةٍ مفترضة لنتيناهو إلى الإمارات العربية، التي تأجلت، واستُبدلت بزيارة خاطفة للأردن، تلقى خلالها رسائل مفادها: "لن يكون هناك سلام في ظل هذه الحكومة وبرنامجها وممارساتها".
على الصعيد الفلسطيني، تبقى البدائل المطروحة، محصورةً في الذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية، ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وعلى المستوى السياسي دفع الولايات المتحدة والدول العربية والإقليمية لاتخاذ مواقف مما يجري، بالتزامن مع التحركات المصرية الأردنية لكبح جماح حكومة الاحتلال، وعدم منحها الفرصة للعبث بالأوضاع داخل فلسطين.
























