غزة :
ظلمة البصر لم تُفقد الشابة هنادي رضوان (27 عامًا) نور البصيرة الذي تعمل من خلاله على مساعدة الآخرين عبر تخصصها في الإرشاد النفسي، من خلال عملها كمدّربة.
الشابة التي تسكن مدينة غزة، فقدت البصر أثناء دراستها الجامعية، لكنها صممت على تجاوز الصدمة. واصلت التعليم، وطوّرت ذاتها في مجالات مختلفة، وهي تستعد الآن لمناقشة رسالة الماجستير في نفس التخصص، طامحة إلى نيل شهادة الدكتوراه، فما قصة هنادي من البداية؟
وُلدت هنادي دون أي مرض، وعاشت كذلك حتى المرحلة الجامعية، وتحديدًا حين كانت في المستوى الثاني من تخصص الخدمة الاجتماعية، حيث فجأة تغيّر كل شيء!

تعود هنادي بذاكرتها لذلك اليوم: "بعد الانتهاء من الامتحانات، وبداية الإجازة الصيفية التي وضعت خطة لاغتنامها في تطوير ذاتي بالتسجيل في أكثر من دورة تدريبية، كانت المفاجأة أني استيقظت ذات يوم لأجد العالم من حولي أسود".
تتابع: "قلتُ لشقيقتي المكان مظلم، المكان أسود، ظنّت أنني أضحك وردّت بأنه لا وقت للمزاح، لدينا الكثير من العمل خاصة أنه يوم زفاف خالتي، لكن سرعان ما عرفت أن الأمر ليس مزحة، وانني فقدت بصري!".
ما حدث لهنادي كان صدمة لها ولعائلتها، فهي عاشت 20 عامًا من عمرها دون مشاكل، فكيف أصبحت فاقدة للبصر في غمضة عين، حيث لم تفلح محاولات علاجها.
عندما ذهبت هنادي مع والدتها إلى مستشفى العيون بمدينة غزة، قرر الأطباء أن ما حدث انفصال لشبكية العين وتهتك فيها، استدعى سفرها للعلاج في مصر، حيث أجرت عملية جراحية، وطرأ تحسّن خفيف على حالتها بعد علاج استمر لشهرين.
تستذكر بألم موقفًا حدث لها أثناء العودة: "ضعت من يد والدي، وأخذتُ أبكي خوفًا، كنت أسمع فقط أصوات الناس دون ان أرى شيئًا، فحدث نزيف وعدت إلى غزة".
عادت هنادي إلى مصر مجددًا وأجرت العملية مرة أخرى، وكانت بنتيجة أفضل، لكن بعد شهور عاد الظلام، فقد كان عليها أخذ حقنة غالية الثمن ومن الصعب توفيرها، وغير متوفرة في غزة، ما جعلها تتنقل لفترة بين غزة والقدس.
تزيد: "في نهاية المطاف، كان عليّ إجراء عملية حساسة، وبعد البنج نصح الأطباء بعدم إجراء العملية لعدم جدواها، وأنني أحتاج عملية زراعية شبكية في دولة متقدمة، وبالطبع تكلفة باهظة جدًا، ما جعلني أرضى بالأمر الواقع".

تكمل الشابة: "رغم صعوبة ما حدث لكن صممت على مواصلة حياتي، حاولت أن أجعل من نفسي إنسانة جديدة، عدت للجامعة وأكملت دراستي وحصلت على الامتياز في تخصصي، واليوم تفصلني فترة قصيرة عن مناقشة رسالة الماجستير في تخصص الإرشاد النفسي".
قبل فقدانها البصر، كانت هنادي تحبّ الذهاب إلى مركز التقنيات البصرية بالجامعة لمساعدة الطالبات الكفيفات، والتي باتت إحداهن، ما جعلها على دراية بالمركز وكل ما فيه.
وبابتسامة تكمل: "والدتي كانت خير داعمة لي، وهي بمثابة عيوني رغم كل انشغالاتها، كانت تقرأ لي وتساعدني في الدراسة وتذهب معي للمكتبة لإعداد الأبحاث، ومنها حصلت على شجاعة العودة للجامعة، وشجعتني على المشاركة في الورشات والتدريبات ورفعت معنوياتي وثقتي بنفسي".
اهتمت هنادي بتطوير ذاتها من خلال مواصلة الحضور والمشاركة في ورشات العمل المتخصصة والدورات التدريبية، التي أكسبتها مهارات عالية في التدريب خاصة في مجال تخصصها، ورغم وجود من يحاول "وضع العصي في دواليب طموحها"!
توضح: "حين كنتُ أشارك، وجدت أن هناك من يحاول أن يقلل من شأن مشاركة شابة لديها إعاقة بصرية، لم يعتادوا حضور فتاة فاقدة للبصر، هذا الأمر جعلني أصرّ أكثر على التعلّم والتميّز".
ترسم هنادي على وجهها ابتسامة كلما تحدّثت عن طموحها في إنهاء مناقشة رسالة الماجستير والاستعداد للدكتوراه في ذات التخصص الذي تحبه، بل إنها لا تكتفي بكونها مدرّبة، بل إنها تريد أن يكون لها مشروع خاص في مجال الدعم والإرشاد النفسي.
تمرّ هنادي بالكثير من المواقف الجميلة خلال استضافتها في المدارس لتدريب الطالبات بطريقتها المميزة على رسم خطوط النجاح، حيث توضح لـ"نوى": "كثيرًا ما يتم دعوتي لحضور لقاءات مدرسية أحرص من خلالها أن أكون شخصية مُلهمة للطالبات في مسيرة حياتهن العلمية والعملية فأخبرهن أن فقد البصر رغم ظلمته بكنه كان حافزًا لتحقيق الكثير من الإنجازات".
من التجارب المميزة لهنادي، أنها أثناء زيارتها لإحدى المدارس، كانت المرشدة المدرسية تعاني إشكالية ضعف قدرتها على معالجة مشكلة طالبات لديهن مشاكل أسرية، وأخريات يعانين ضعف البصر ما أدى لانخفاض مستواهن الدراسي وزيادة ضعف البصر.
جلست هنادي مع الطالبات ومن خلالها تجربتها الشخصية وتخصصها في الإرشاد النفسي، استطاعت وضع حلول مناسبة لحالة كل منهن، وساعدت المرشدة في تسهيل تواصلها مع الطالبات وتوفير أدوات مساعدة مناسبة لهن، ما أسهم في بقائهن بالمدرسة، بل إن مستواهن الدراسي تحسن تدريجيًا، وهو ما عدّته هنادي نجاح تفخر به.
لكن هنادي أيضًا عايشت الكثير من المواقف المؤلمة التي حاولت القفز عنها، فهي لا تنسى حين أوقفتها سيدة في الشارع لتقول لها: "أنتي رح تضلي طالعة نازلة، اقعدي في البيت عشان خواتك يتجوزوا"، فالسيدة تشير إلى أن وصمة وجود فتاة ذات إعاقة بصرية يمكن أن تؤثر على فرص شقيقاتها بالزواج!
لكنها تعقّب: "رغم قسوة الكلمات التي سمعتها وتجاوزتها كي أواصل نحو طموحي، الحمد لله شقيقاتي تزوجن وأنجبن"، ملفتةً إلى أنها لم تعد تأبه بالنظرة النمطية السلبية، فدعم العائلة وثَّقَتها بنفسها، تدفعها دومًا للمواصلة نحو هدفها.
































