شبكة نوى | قطاع غزة:
"مرحبًا أمي، وصلت الآن إلى السفينة التي ستنطلق بنا، سينقطع الاتصال الآن، لكن سأطمئنك فور وصولي"، ستّ سنواتٍ مضت على هذا الوعد، كان الحديثَ الأخير بين محمّدٍ وأمه التي لا تزال تسمعُ رنين صوته في أذنها حتى هذه اللحظة.
مكالمةٌ قصيرة جدًا، ترى كيف بدت خلالها نبرة صوته؟ كيف أغلق الهاتف؟ كيف دعَت له أمه؟ وكيف أصبح فجأةً في عداد المفقودين؟ هذه هي قصّة محمد الرنتيسي.
محمد كان شابًا فلسطينيًّا من سكان قطاع غزة، تخرّج من الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية عام 2014م، ثم درسَ بكالوريوس "إدارة تكنلوجية"، ليجد نفسه فجأةً بعمر 23 عامًا، ولم يخطُ خطوةً واحدةً باتجاه حلمه.
الحرب انتهت لكن محمد تاه، لم يعد يدري كيف يلملم نفسه وشتات أفكاره، فقرّر وصديقه ساجد أنّ "الهجرة" هي سبيل الخلاص من جحيم الاحتلال المنهمر على القطاع وأهله.
قرر أن لا يستسلم، لا للبطالة ولا للحصار ولا للفقر ولا للاحتلال؛ كان يبحثُ عن مستقبله "الباهت" في شركةٍ أسسها وصديقه ساجد حمّاد باسم "سجايا للإعلام" لعلّها تلوِّنُ الحياة في عينيه من جديد، إلا أنها طارت.. مع كل أحلامه، طارت فعليًا بلمح البصر، بعد أن أرسلت طائرةٌ إسرائيليةٌ إليها "صاروخًا"، دمّرها، ودمّر أحلام كل من غرس بذرةً لمستقبله في برج الباشا الذي فتتته صواريخ "إسرائيل" كليًا خلال عدوام عام 2014م.
"طريق النجاح في غزّة قصير، تناثرت كل أحلامه ومخططاته بين الركام" تقول شقيقته علا، فالحرب انتهت لكن محمد تاه، لم يعد يدري كيف يلملم نفسه وشتات أفكاره، فقرّر وصديقه ساجد أنّ "الهجرة" هي سبيل الخلاص من جحيم الاحتلال المنهمر على القطاع وأهله.
محمّد "الطموح صاحب الأمل" حسب وصف شقيقته، سعى جاهدًا للحصول على منحة ماجستير في إحدى جامعات ألمانيا، وقد تعلم فعلًا الألمانية لمدّة عام كامل هنا حتى أتقنها رغم صعوبتها، بدأ يجهّز نفسه للسفر، لكن معبر رفح في تلك الفترة كان مغلقًا، كان يسأل نفسه كثيرًا: "ما الحل؟ ما الحل يا الله؟".
الشاب الذي يعيشُ في أسرةٍ قوامها ١٠ أفراد مع الأب والأم اللذان يعملان سويًا من أجل النهوض بأبنائهم، ومساعدتهم في بناء المستقبل، قرر أن البحر هو الخيار الوحيد أمامه، عبر السفر بسفن الهجرة.
تضيف علا لـ "نوى": "قرر محمد ذلك وأتى لإخبارنا أنه الطريق الوحيد لإكمال أحلامه، لا أحد فينا وافقه على الأمر، بل حذرناه، وشجعناه على المحاولة مجددًا في غزة، لكن كل محاولاتنا باءت بالفشل، ساعد على ذلك أن الظروف في تلك الفترة، كانت سيئةً جدًا".
حتى المبلغ الذي ساعده على الخروج، استدانه من أحد أقاربنا في الخارج، حزم أمتعته وودّع عائلته التي لم تكن تتخيل أنه سيغيب لسنوات دون أن يعودوا فيسمعوا صوته، أو يروا صورة له عبر مواقع التواصل الاجتماعي هناك في ألمانيا.
ستّ سنواتٍ تحلم أنه عاد إلى أحضانها. ست سنواتٍ مرّت بحلوها ومُرها تفتقد محمّد. ستُّ سنواتٍ على حلم "العيش بكرامة".. وستُّ سنواتٍ جعلته أبعد ما يكون عن تحقيق الحلم، ست سنواتٍ مرّت ولم يعُد، "ويا ليته يعود.
آخر اتصال معه –وفق علا- كان في السادس من أيلول/ سبتمبر لعام ٢٠١٤م، حينها هاتفَ أمه ليخبرها أنه وصل السفينة التي كانت على شواطئ الإسكندرية في مصر، وأنها ستنطلق الآن، ولذلك لن يستطيع التواصل مع أحدٍ منهم طوال فترة الإبحار.
بعد عدة أيام، وصل خبر مفاده أن سفينة "السادس من أيلول/ سبتمبر ٢٠١٤م"، التي كانت تحمل حوالي ٤٧٠ شخص بينهم فلسطينيين، وسوريين، ومصريين، وآخرين من بلادٍ عربيةٍ أخرى، قد ضُربت في عرض البحر من قبل مهربين، عمدوا إلى إغراقها بعد ذلك، أما من نجى فوصل إلى موانئ إيطاليا، وتم تسليمهم للسلطات المصرية فيما بعد.
ست سنوات على انقطاع الاتصال، ستّ سنوات تأتي أنباءٌ للعائلة بأن نجلها معتقلٌ في السجون المصرية، ست سنوات ترفع أمه يديها نحو السماء وتناجي الله بعودته. ستّ سنواتٍ تحلم أنه عاد إلى أحضانها. ست سنواتٍ مرّت بحلوها ومُرها تفتقد محمّد. ستُّ سنواتٍ على حلم "العيش بكرامة".. وستُّ سنواتٍ جعلته أبعد ما يكون عن تحقيق الحلم، ست سنواتٍ مرّت ولم يعُد، "ويا ليته يعود، فكل الأماكن مشتاقة له" تختم علا.
























