قطاع غزّة:
"إنها ألعاب نارية بالتأكيد" ربّما تحاول آية إيهام أطفالها بأن ما يسمعونه من أصوات للصواريخ وقذائف المدفعيات هي مفرقعات نارية لأحد يحتفل بمناسبة ما، تضيء السماء في وقت لا كهرباء فيه فتنير المنزل لثواني معدودة، لكنها لا تستطيع تبرير ارتجاج المنزل الذي يروح يميناً ويساراً مع كلّ ضربة – تخبرنا الأم -.
التعامل مع الأطفال في العدوان على غزّة وجولات التصعيد التي تتخلله ليس بالأمر الهيّن، فالقصف ليس أمر طبيعي ولا عادي تأقلم عليه السكّان وإن كان لا يكاد يمرّ شهر دون سماعه، حتى لو على هيئة تفريغ هواء للطائرات الحربية، وهنا، يقع على عاتق الآباء والامهات التهدئة من روع أطفالهم بهذه الفترات، فهل يستطيعون ذلك؟

تقول آية حبيب وهي أم لأمل وسمر وحنين وأحمد، إنها لم تعد تعرف كيف تهدأ من روع أطفالها في أوقات التصعيد الإسرائيلي ضدّ غزّة، فلا أصوات تسمع لحفلات مجاورة لتأكد أنها ألعاب ومفرقعات نارية، في الوقت ذاته، فإن إضاءة المفرقعات وأصواتها ليست مرعبة لهذا الحد، مضيفة "غير أنني بت لا أستطيع التحكم برجفة صوتي وجسدي عند كل ضربة تباغتنا".
تتابع أنها تحاول إشغالهم بالرسم كما ينصح بعض المختصين في غزّة للتفريغ، لكنها تتفاجأ بأن معظم رسوماتهم لها علاقة بشكل أو بآخر بالعدوان، إما يرسمون طائرات تلقي صواريخ على غزّة، أو بحر تسبح في بوارج الاحتلال.
"تكررت هذه الرسومات، عندما أطلب منهم رسم شيء يحبونه يقولون إن هذا ما يدور بخيالاتهم، أتوتر وأعود لتمزيق الرسومات بعد إشغالهم بألعاب أخرى" تحكي آية.
منذ فجر الثاني عشر من نوفمبر / تشرين الثاني للعام الحالي، قتل الاحتلال ٣٤ فلسطينياً وجرح ١١١ آخرين في تصعيد عنيف ضدّ قطاع غزّة، بينهم ٨ أطفال و٣ سيدات و٢٣ رجلاً وأما بتفصيل الجرحى فكان بينهم ٤٦ طفلاً و٢٠ سيدة و٤٥ رجلاً.
في منزل محمّد عمرو حوار آخر، فما أن يبدأ القصف ويهرب علي (٩ سنوات) وريتال (٥ سنوات) نحو والديهما حتى تبدأ قصّة إقناع الأطفال بأن "هذا رعد يا بابا لا تخافوا" فيردّ علي بأن السماء على وشك أن تمطر إذن، يظلّ ينتظر سماع المطر الذي يسقط على شكل صواريخ ونار ضدّ مدنيين آمنين في منازلهم، وعندما لا يجد الماء ينزل من السماء يعود الطفل ليسأل والده "متأكد إنه رعد يا بابا؟".
"أحاول أن أضحك وأقول بأن السماء خذلتنا يا أولاد، ربما ستمطر بعد قليل، وماما ستحضر لنا الآن مشروب السحلب الدافئ فهم يحبونه كثيراً وينتظرون المطر من أجله" هكذا يحاول التصرّف هو ووالدتهما، بإلهاء الأطفال بأشياء يحبون شربها أو تناولها، بالفشار وبمحاولة مشاهدة الكرتون معهما لكنهما بالحقيقة يكونان مشغولان بالنظر إلى هواتفهما النقالة للبحث عن أي خبر يفيد باتفاق تهدئة بين فصائل المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، إلا أن القصّة تأخذ حدّها في كلّ مرة.

وما أن يقترب الضرب كثيراً، يعجز كلا الأب والأم عن مداراة خوفهما أيضاً، يحملون أطفالهما نحو أي زاوية يعتبرونها آمنة في المنزل، بعيدة عن الشبابيك التي يمكن أن ينهال زجاجها فوق رؤوسهم، يقولان إنها دقائق وسوف تمر، يعرف حينها الأطفال بأن "الحرب" قد أتت، الحرب التي يسمعون فيها ولا يدركون معناها بعد، تلك التي يقتل بها الأطفال والآباء والأمهات والأجداد والشباب، يقتل فيها الفلسطينيين على حدّ سواء، "ليس باليد حيلة، ربّما يجب علينا ألا نكذب من البداية ونقول لأطفالنا إنها الحرب؟ أو يجب أن نظل نكذب حتى تباغتنا أو تفقد أحدنا الآخر فنكون قد هيئنا بعضنا البعض؟" يتساءل الأب.
وعن قِصَّة أصغر شهيد في هذه الهجمة والقصف على قطاع غزة، لم يكن قد سمّي بالأساس، بالكاد حدّد جنسه، لم تستطع أمّه إيمان أبو تيم تطمينه بأنهما سوف يكونان بأمان سوياً، قتل الجنين الذي يبلغ من العمر ستّة أشهر في رحمها بسبب صاروخ أطلقه الاحتلال بالقرب من سكنها في مدينة خانيونس، أصيبت إيمان بالإعياء وتم نقلها إلى المستشفى لتعلم أن ابنها قد مات من شدّة الخوف والصدمة.

يحمله والده الذي انتظره على "أحرّ من الجمر" كما يصف، يحبس دموعه بعينيه ويحمله بين ذراعيه، ينظر بأسى ويودّع جثمانه إلى ثلاجة الموتى تمهيداً لدفنه في الصباح.. انتهت الجولة وانطلق سيل المآسي إذن، هذه قصّة غزّة المعروفة، فلا الناس تتأقلم ولا الموت يسكت عنها، فالاحتلال يطبق عليها في البحر والبرّ والجو، يريد قتل غزّة.
























