غزة-نوى:
دون سابق إنذار أرادت الفتاة "ملك" اسم مستعار 30 عاما وضع حد لحياتها، من خلال محاولة الانتحار، وتناولت جرعات زائدة من الحبوب الدوائيًّة على اثرها نقلت من الفور إلى المشفى.
شكلت تلك الحادثة صدمة كبيرة لعائلة ملك، التي حاولت إخفاء الفعلة عن الناس على اعتبار أن الأمر يمس بسمعتها، لكنها في الوقت ذاته حاولت البحث عن دوافع ابنتها التي حفزتها باتجاه محاولة الانتحار.
تقول الفتاة: "انفصلت عن زوجي قبل عام كامل، ولم أتمكن من رؤية ابنتي، شعرت بحالة كبيرة من الحباط واليأس وشعرت بأيامي كلها سوداء؛ فلم أجد من ينصفني".
تضيف لم أعي ما قمت بارتكابه وماذا ستكون النتيجة، فقط أردت الخلاص من الحياة التي لا ثمن لها عندي. وفي اللحظة التي وصلت فيها الفتاة للمشفى بعدما انتهي الأطباء من إجراء غسيل المعدة كأحد طرق العلاج، حصلت المباحث على الإفادة من ملك، فيما قام الطبيب المختص والمعالج، بإصدار كشف طبي يشرح الحالة.
بعد أن انتهت الفتاة من تلك الإجراءات عادت إلى المنزل دون أن تخضع لأي مساءلة قانونية علمًا بأن ما ارتكبته يندرج تحت إطار محاولة "انتحار" يُعاقب عليها قانون العقوبات لسنة 1936 ويعتبرها جنحة، لكنه لا يعاقب من يقدم عليه، فيما اعتبر التحريض والمساعدة على الانتحار جريمة يعاقب عليها.
ولا يخفي على أحد أن المجتمع الغزي يعيش تحت عباءة العادات والتقاليد، رغم ذلك تزايدت في الآونة الأخيرة محاولات الانتحار، خصوصًا في أوساط الشباب، في ظل غياب الرادع القانوني، وهو أمر يدق ناقوس الخطر.
وعليه، حاولت شبكة "نوى" طرح التساؤلات على الجهات المختصة، للبحث عن مدى تطبيق قانون العقوبات الفلسطيني الذي ذكر سابقًا.
المتحدث باسم وزارة داخلية غزة إياد البزم، بدوره أقر بأنه لا يتم التعاطي مع محاولين الانتحار بعد نجاتهم ولا يخضعون لأي مسائلة قانونية؛ مبررًا ذلك بالقول: "إن قطاع غزة يعيش في ظروف حالكة وصعبة، ونحن كجهاز شرطة لا نعاقب من يحاول الانتحار لتخفيف الضرر وليس زيادته عليه، فالشخص المقدم على قتل نفسه لا يهمه العواقب التي قد تقع عليه جراء ذلك، لأنه يكون قد وصل مرحلة كبيرة من اليأس".
ويضيف البزم "الشرطة لا تتعامل مع جميع محاولات الانتحار بشكل جدي، وتقوم بفتح ملف حول المحاولات فقط التي يكون حولها شبهة جنائية، وهناك بعض العائلات اتضح من خلال التحقيق معها أنها قد تكون لفت النظر".
وفيما يتعلق بالإحصاءات الخاصة بأعداد محاولي الانتحار نفى المتحدث باسم الداخلية، وجود أرقام لديهم، معتبرًا ذلك من مسؤوليات وزارة الصحة.
وبناءً على تأكيد البزم، فإن وزارته لم تبذل أي جهد لكبح جماح محاولي الانتحار، الأمر الذي يزيد المخاوف من إمكانية تكرار الشخص نفسه لحالة الانتحار فلا رادع يعاقبه على ذلك، وفق ما كان قد حدث مع الشاب مهند يونس الذي قتل نفسه في المحاولة الثالثة للانتحار.
وفي الوقت ذاته أخلت وزارة الصحة على لسان الناطق باسمها أشرف القدرة مسؤوليتها، عن تطبيق أي قانون يعاقب محاولي الانتحار؛ لأن ذلك يقع على مسؤولية قسم الشرطة التي تستقبل الحالة أثناء قدومها للمستشفى، حسبما قال.
وبين القدرة في سياق حديثه لـ"نوى"، أن دور وزارة الصحة يكمن في تقديم كشف طبي عن الحالة المرضية وليس تقرير جنائي.
وتتعامل الصحة مع الحالة من حيث معالجتها طبيا فقط، فضلًا عن أنها نفت أيضًا توفر أي احصائيات حول محاولات الانتحار، إذ تقاذفت المسؤولية بينها وبين الداخلية، للحد من الخطورة الواقعة على المجتمع الغزي نتيجة استمرار محاولات الانتحار.
وبحسب تدوينات مراقبين ومختصين، فإن هناك عشرات محاولات الانتحار شهريًا، لا يُفصح عنها خوفًا من إحداث بلبلة في الشارع الغزّي.
وفي تقارير صدرت سابقاً لصالح جهات رسميَّة، حول حالات الانتحار، فقد وصلت إلى 17 حالة و80 محاولة في العام الماضي، 2016، مقارنة بـ 35 محاولة في 2015 انتهت خمس منها بالوفاة. أما العام الجاري، فرفضت الجهات المسؤولة في غزّة، إعطاء إحصاءات رسميّة بشأنها.
ولأن محاولات الانتحار في أصلها ناتجة عن اضطراب نفسي، فإن المختصين قد أكدوا أن الأكثر اضطرابا في الوقت الراهن هم الشباب، لا سيما في ظل انسداد الأفق وغياب فرص العمل.
الأخصائي النفسي فضل عاشور قال لـ"نوى": "إن فئة الشباب هم الأكثر إقدامًا على محاولات الانتحار من عمر 20 حتى 35 عام لأسباب منها: عدم الاتزان العقلي للشخص، المشاكل الاجتماعية والأسرية خاصة، الوحدة، الفشل، وسهولة الوصول للأدوات القاتلة كتناول كميّات كبيرة من الحبوب الطبية أو السموم".
و أوضح عاشور أن الشباب في قطاع غزة بالتحديد يعانون من ارتفاع في نسب الاكتئاب، بسبب الظروف المعيشية الصعبة والحصار المفروض منذ عشرة أعوام، مشيراً الى أنَّ عيادته تستقبل يوميًا أكثر من خمس حالات يحاولون الإقدام على الانتحار بعد أن فقدوا السبل في الحياة، ويحاول المختص منعهم من خلال العقاقير الطبية الخاصة.
ونوه إلى أن القطاع يعاني من نقص في عدد الأخصائيين النفسيين، وندرة المراكز الصحيَّة، داعيًّا الجهات الرسميّة التي تستقبل محاولي الانتحار التعاون فيما بينها للحد من ذلك الاجرام بحق النفس.
























