نوى / منى خضر وإسلام الاسطل / لفت انتباهها اللوحة المعلقة على مدخل المبنى ففي كل مرة كانت تتوجه بها إلى العيادة الطبية كانت تشاهد اللوحة وتتوقف أمامها ، وبداخلها رغبة عارمة بقرع بابها إلا ان الخوف كان يقف حاجزا أمامها في كل مرة تفكر بها في خوض غمار التجربة .
ضغوط مجتمعية
فاض بها الكيل ولم تعد لديها القدرة على الاحتمال ، فحياتها قد تحولت إلى جحيم بعد طلاقها ، ام محمد تنازلت لزوجها عن كل مستحقاتها الشرعية مقابل تنازله عن طفليها الذين يبلغ أكبرهم أربع سنوات ، احتضنتهم واحتملت وإياهم ظروف معيشية ومجتمعية مريرة ، في ظل رفض المجتمع للمرأة المطلقة ،كانت تعاني من ضغوط أسرية ومجتمعية متواصلة ، كادت أن تفقد القدرة على الاحتمال والاستسلام لرغبة الأسرة إعادة الأطفال لوالدهم ، ومع قلة حيلتها وجدت نفسها تطرق باب مركز حياة ، لتروي قصتها وتبدأ بالتواصل مع الأخصائية النفسية والاجتماعية ، ورغم قناعتها التامة بأن تحسنا كبيرا طرأ على شخصيتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها وحقوقها إلا أنها لا زالت تحضر إلى المركز في الخفاء ودون علم احد من أسرتها التي تفتقر للوعي بأهمية هذه المراكز لتمكين المرأة والتخفيف من معاناتها
وتعتبر أم محمد أن ذكورية المجتمع الفلسطيني تجعله رافضا لفكرة مراكز الإيواء والدعم للمرأة المعنفة على اعتبار أن المرأة يجب أن تحتمل حتى النهاية دون كلل أو ملل ، وكأنها مجرد آلة خلقت لتعاني وتصمت ، وأضافت " يعتبر كثيرون أن توجه النساء لمراكز دعم وحماية المرأة خرق كبير للعادات والتقاليد وفضح لأسرار البيت " وهو ما ترفضه جملة وتفصيلا.
تغيير جذري
في حين أن ( أم إبراهيم 37 عاما أم لسبعة أطفال ) كانت تميل إلى العزلة والخوف من المجتمع بعد أن تعرضت لانتهاكات جسدية ونفسية من زوجها الذي كان يداوم على ضربها وإهانتها وانتهاك إنسانيتها ، وتضيف :" بعد أن توجهت لمركز حياة أصبحت أفضل حالا وعاودت حياتي بشكل طبيعي وتولدت لدي رغبة جادة بضرورة الاعتماد على نفسي خاصة بعد انفصالي عن زوجي فتوجهت لتعلم فنون الكوافير والعمل في أحد مراكز التجميل رغم رفض الأسرة ، وتقول " بعد ان تلقيت العديد من جلسات الدعم النفسي ، أصبحت أكثر قدرة على الدفاع عن حقوقي والتمسك بها .وتؤكد ام إبراهيم على أهمية وجود مراكز للإيواء وحماية المرأة في ظل تفاقم المشاكل الأسرية وزيادة حالات العنف الموجه ضد النساء في المجتمع الفلسطيني وارتفاع معدلات الطلاق وعدم وقوف الأسرة إلى جانب النساء المعنفات في معظم الأوقات .
المطلوب أكثر
وفيما يخص تقبل المجتمع لفكره خروج النساء لتلقى الدعم النفسي والاجتماعي تقول أم إبراهيم أن المجتمع بدأ يتغير إلى الأفضل ويمكن لمس تجاوب كبير مع المراكز النسويه وتضيف " لا زلنا بحاجة إلى جهود مكثفة من اجل تغيير الثقافة الموجودة حول النساء وخاصة عندما تكون مطلقة " موضحة أن المجتمع يتعامل مع المرأة المطلقة وكأنها من كوكب آخر وبعض العائلات تفرض إقامة شبه جبرية على النساء المطلقات وبعضها تتعامل مع المطلقة وكأنها خطيئة تمشي على الأرض " ، وقالت " مع الوقت والإيمان بالفكرة يمكن تغيير ثقافة وقناعات المجتمع ، مؤكدة أن التغيير يبدأ بخطوة
وتطالب أم إبراهيم بالعمل على تفعيل قسم الإيواء في المركز و توفير برامج مشاريع صغيره للنساء للاعتماد على أنفسهن".
تجربة وليدة
وكان مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة قد افتتح في ديسمبر الماضي مشروع ( مركز "حياة" لحماية وتمكين النساء والعائلات ) الأستاذة زينب الغنيمى مديرة مركز حياه للإيواء قالت لـ نوى : " أن فكرة إنشاء مركز حياة جاءت بعد تزايد أعداد النساء اللواتي يترددن على مركز الأبحاث والدراسات القانونية ويحتجن الى ما هو أكثر من مجرد استشارة قانونية ، في ظل تعرضهن للعنف المتواصل وتأثيراته على العلاقات الاجتماعية والإنسانية ، الأمر الذي جعلنا نفكر بشكل جدي بضرورة وجود أماكن للنساء تبعدها عن العنف الذي تعرضت له
وأضافت أن الفكرة بجوهرها كانت تتمثل في إيجاد مكان لإيواء وحماية النساء المعنفات لافتة الى ان تعطيل هذا القسم يؤثر على مضمون فكرة المركز وعن الأسباب التي منعت افتتاح قسم الايواء قالت الغنيمي :" نشأت إشكالية مع وزارة الشئون الاجتماعية بسبب التدخل السلبي لوزارة شئون المرأة في عمل المركز
ولا تنكر الغنيمي أن تقبل المجتمع لهذه الفكرة ليس بالأمر السهل مع تأكيدها ان كثير من الفئات والشرائح في المجتمع مقتنعة بأهمية وجود هذا المكان والإشكالية بحسب الغنيمي تكمن في حالة الانفصام من قبل المجتمع في التعامل مع المرأة فهو لا زال يرفض فكرة ان تخرج المرأة من بيتها لطلب الحماية باعتبار ان هذه فضيحة وكشف للمستور من خبايا وأسرار البيت
سلاح ذو حدين
واعتبرت الأخصائية النفسية ختام أبو شوارب ( برنامج غزة للصحة النفسية ) أن مراكز الإيواء سلاح ذو حدين وتفسر ذلك بقولها " طبيعة مجتمع غزة المغلق تجعل من الصعوبة التعاطي مع مثل هذه الفكرة وقالت :" الفكرة لها اثر ايجابي كونها تحد من العنف الموجه ضد المرأة وتحد من الخطر المحدق بها ولكنها لا تزيله وتقول : " بالنسبة لامرأة لديها مشكلة شرف لا أظن ان وجودها في مراكز إيواء يمكن أن يحميها للأبد من تربص ذويها ، وأضافت : مراكز الإيواء تضم نساء من بيئات وأعمار ومشاكل مختلفة الأمر الذي قد يترك اثر سلبي على المرأة ويجعلها تتأثر بغيرها من النزيلات ممن يحملن ثقافات متباينة وترفض أبو شوارب دمج النساء المعنفات من أعمار ومشاكل وبيئات مختلفة قد تترك أثر سلبي في ظل قلة الإمكانات المادية والبشرية المدربة
واشترطت أبو شوارب لنجاح مثل هذه المراكز وجود متخصصين مدربين ومؤهلين على أعلى المستويات والعمل على دراسة الحالات بشكل معمق والفصل بين النزيلات وفقا لمشكلتهن وطبيعة أعمارهن فلا يجوز الدمج بين نزيلة قاصرة وامرأة كبيرة لكي لا يتم التأثير عليها مما يغير مجرى حياتها وتفكيرها كليا ، ولا تقلل أبو شوارب من أهمية وجود هذه المراكز في ظل تفاقم مظاهر وأشكال العنف ضد المرأة مع وجود كادر مؤهل ورقابة مستمرة من أكثر من جهة
وبرغم التخوفات من إنشاء مثل هذه المراكز و رفض البعض لوجودها وعدم اعتراف الكثيرين بأهميتها للتخفيف من حدة العنف الموجه ضد المرأة ، تبقى هذه التجارب بدايات واعدة تحتاج إلى دعم كافة المؤسسات المجتمعية والرسمية من أجل النهوض بواقع المرأة وإخراجها من دائرة العنف والضعف
والخوف وصولا إلى مجتمع يحترم كينونتها ونساء يعرفن حقوقهن ويتمسكن بها فالتغيير دائما يبدأ بخطوة
























