غزة - (نوى) : باسمة ابو شليح
حملت ام محمد "فاطمة حلس" البالغة من العمر "34" أم لأسرة مكونه من اثني عشر فردا منهم ابنه متزوجة كانت لاجئة لديهم في بداية العدوان على غزة، على كتفها بعض ما تبقي لها من حاجات في منزلها المدمر، رغم البؤس والقهر والخراب تبتسم "فاطمة" تلتقط بعض الأشياء الخاصة من منزلها شرق الشجاعية.
رائحة الدماء تختلط برائحة بارود الصواريخ والقذائف (الاسرائيلية) المنتثرة في كافة اتجاهات الأرض. قذائف طائرات الـ F16، والمدفعية (الاسرائيلية) غيرت ملامح المناطق المدمرة لا بيوت ولا سكان ولا شجر ولا طائر، حي الشجاعية حيث تتلاقي الأرواح وتحلق في سماء غزة تعلن مع كل قطرة من دمائها معنى الحرية والاشتياق للعيش بأمان كباقي شعوب.
تقول أم محمد عشنا جميعا مرارة الحرب والخوف والرعب النفسي فمنذ بداية العدوان كنا نتابع الأحداث كباقي الشعب وننتظر مصيرنا حتى اليوم"20 يوليو2014" اشتد القصف علينا واقتربت الدبابات (الاسرائيلية) من منطقتنا، : "وبدأت الدبابات بإطلاق القذائف في كل اتجاه، صواريخ وقذائف الطائرات (الاسرائيلية) نزلت من السماء علينا كزخات المطر، شظايا القذائف لم ترحم احد، تجمعنا في غرفة داخلية في الطابق الأرضي بعيدا عن النوافذ، ارتعب الأطفال من شدة صوت القذائف وتعالت الأصوات والصراخ وأصبح التوتر والرعب هو المسيطر علينا خوفاً علي مصير أطفالنا، وفجأة ضربوا قذيفة أصابت منزلنا واشتعلت النار في الطابق العلوي وسمعنا تحطم الزجاج وانفجار عبوه الغاز".
تتنهد ام محمد وتحاول استجماع قوها بقينا دقائق قليلة ولكنها مرت علينا كأنها أعوام بعيدة: "قررت وزوجي الخروج من المنزل و الهرب الى منزل ابن عمه في نفس المنطقة ولكن للغرب قليلاً وفعلاً بدأنا بالخروج كُلاً تلو الأخر وأنا احمل ابن ابنتي وابنتي تمسك ابنها وتشيل الأخر والكل يجري والأطفال تصرخ خوفاً من شد القذائف والصواريخ العشوائية".
وتضيف ام محمد ركضنا في الشوارع والطرقات حتى وصلنا منزل ابن عم زوجي وبقينا فيه بضع ساعات :"سمعنا أصوات الناس تصرخ وتقول حسبي الله ونعم الوكيل وأطفال تبكي وتعالت أصوات القذائف خرج زوجي ليشاهد بأن الناس تركض هاربة من المنطقة والعديد من المواطنين والأطفال والنساء والشيوخ والرجال ملقون عل الأرض منهم مصاب ومنهم لا ملامح له والعديد مقطع إلي أجزاء نادى علينا وقال لنا هيا لنخرج وقتها جميعنا ركضنا، فيما الموت يطاردنا، في كل ثانية كنا نجري بشده وبسرعة فوق الجثث والمصابين".
هول ما حصل مع سكان حي الشجاعية كان صعب كما تروي "أم محمد"، :"كل ما أتذكر الأحداث والمناظر اشعر بانقباض في قلبي ولا استطيع التنفس جيدا"، وتكمل حديثها "وصلنا إلي مستشفى الشفاء بعد عناء وليلة قاسية ودامية لم نذق خلالها طعم الراحة ولا الأمان وجدنا المكان مكتظاً بالناس والأقارب والجيران الهاربين من ويلات القصف والرصاص الذي احرق الأخضر واليابس، دمر كل شيء" اجهشت ام محمد في البكاء وبصوت مخنوق قالت "وين نروح راح البيت وراح المحل وراح كل شي حتى طقم شقه ابني الي ناوي يتزوج فيها هاد الصيف راحت يارب لطفك وحمتك يارب".
ضم محمد "23" عام أمه بحرقة باكيا معها : "كنت انوي ان أتزوج بعد انتهاء رمضان واعمل حفلة كبير وزفة واذبح عجل اعزم عليه كل أهل المنطقة، لكن كنت اشعر بان شيئاً سيحدث"، سكت برهة وعاد حديثه "لجأت الى مركز تسير الزواج واستدنت من بعض الأقارب واغلب الاثاث كان بالتقسيط وكل ذلك كي استطيع أن أتزوج خطيبتي التي تنتظرني منذ عام ونصف".
ويقول محمد لم أشاهد في حياتي مثل هذا الدمار، خرجنا من المنزل متخطين على ركام المنازل كل شيء معدم والأحياء كلها مدمرة لم يكن بإمكاننا المشي على أقدمنا من كثرة الشهداء والمصابين "كنا نقفز ونجري وفوجئت بشيء يلتطم بي وإذ بها يد شهيد من الشهداء وأرتطم رأس شهيد أخر على وجه أختي الصغيرة مناظر بشعة لم أري مثلها قط ولا حتى بأفلام الرعب".
يشبه محمد ما حدث في ليلة اجتياح الشجاعية بيوم القيامة رأيت احشاء ورؤوس وأقدام متناثرة هنا وهناك لم أكن اصدق ما أرى، وانهرت عندما وصلت إلي مستشفى الشفاء بغزة ولم اعد أتذكر أي شيء إلا بعد ما صحوت من الإغماء.
تمالكت ام محمد نفسها مرة أخرى واستأنفت الحديث معنا قائلا:"مكثنا في المستشفى الشفاء حوالي 10 ايام لم يكن معنا إلا ملابسنا التي كانت علينا، فأصبحت الأرض فرشتنا والسماء غطاؤنا".
وتشير ام محمد الى ان اهل الخير من ابناء شعبنا وزعوا علينا بعض الحرمات والوسادات، "أنام أنا وأبنائي عل بقعه صغير من ارض الشفاء حاولنا تغطيتها ببعض الحرمات كي نستتر تحتها نعاني الكثير في هذا المكان ومن ضمن معاناتنا المأكل والمشرب حاولنا الخروج من الشفاء إلي مدرسة من المدارس ولكن كانت جميعا مزدحمة وتم رفض استيعابنا فيها، عدنا مرة أخرى لمستشفي الشفاء وهانحن ماكثين حتى ينتهي العدوان تعبنا من كل شي لا بيت ولا مأوي لمتى سنظل على هذا الحال يارب عفوك ورضاك".
























