غزة-نوى:
مع دخول الهدنة الإنسانية حيز التنفيذ، آلاف المواطنين اندفعوا صوب حي الشجاعية المدمر، تجمعوا قبل الموعد الرسمي لسريان التهدئة، وكلهم يفكر في ما سيراه بعد لحظات.
اندفع الناس أفراداً وجماعات بمجرد دخول التهدئة حيز التنفيذ، سبقوا سيارات الاسعاف والدفاع المدني إلى حيث أماكن سكناهم، وأخذوا يبحثون ويفتشون في كل شيء، فكلهم هربوا من بيوتهم ليلة ارتكاب مذبحة الشجاعية، دون أن يحملوا معهم شيئاً.
المشاهد كانت صادمة للجميع، وكأن زلزالاً ضرب المنطقة بلا هوادة، رائحة الموت تفوح من كل مكان، آلاف البيوت سوّيت تماماً بالأرض، أو تلقت كميات من الصواريخ جعلتها لا تصلح للسكن، شهداء تحت الأنقاض، بهائم ميتة، أشجار مقتلعة من الجذور، أسلاك كهرباء وهواتف خرجت من باطن الأرض واختلطت بالركام.
ورغم أن غالبية من دخلوا الحي هم من الرجال الأصحاء الذين يتمكنون من تفقد الأضرار، إلا أن السيدة داليا أبو العطا "35عام"-وهي أم لثلاثة أطفال- ، لم تتمالك نفسها لتنتظر ما يصلها من أخبار، فقد سبقت الجميع إلى حيث بيتها في منطقة الشعف ودخلت الحي برفقة والدة زوجها.
وتبكي داليا وهي تقلّب ما بين الأنقاض، على بيتها المكون من ثلاث طوابق وتقول:"مصابنا ليس في البيت فقط، بل وجدنا بين الأنقاض جثث أربعة من أولاد أعمامي ماتوا بسبب القصف، ما ذنبهم مجرد كانوا في البيت تم قصفه فوق رؤوسهم".
وتتحسر داليا على بيتها الذي بنته بشقَ الأنفس:"لم يبقَ منه شيئ، ملابس أطفالي، براميل المياه التي أحل بها أزمة انقطاع المياه، غرف نوم أطفالي، أرضي التي كنت أزرع فيها بعض الخضراوات، غرفة الضيوف، الثلاجة، الغسالة، كله راح في لحظة، كله انتهى".
وتحاول داليا استصلاح أي شيء يصلح للاستخدام، إلا أنها فشلت في ذلك، حيث أدت الصدمة لاصابتها بارتفاع في ضغط الدم، ونقلها للمستشفى، حيث اضطرت للإفطار في هذا اليوم.
أما المواطن أحمد جندية، فقد وقف يقلّب أنقاض منزله الذي تعرض للقصف أثناء العدوان على الشجاعية، وقال:"لم يبقَ من بيتنا شيئاً والحمد لله على كل حال، خرجنا يوم المذبحة فارين بأرواح أبنائنا، عدت لاطئمن على البيت اليوم وجدت بيت عائلتي المكون من 5 طوابق مدمراً لا يصلح للسكن".
ويتابع:"معظم منازل عائلة جندية تم قصفها، وجدنا اليوم جثمان خالي تحت الانقاض رحمه الله، كل عائلة تقريباً فقدت عزيزاً، ولنا من الله الصبر، والحمد لله على كل حال".
ويكمل:"أسكن حالياً عند أقارب لي، ولعد انتهاء العدوان سأعود وستعود عائلتي، ولن نغادر مكاننا، سنسكن هنا ولو في خيمة، والبيت سنعيد تعميره".
ورغم أن أحمد لم يخفِ حسرته على شقى العمر الذي ضاع في لحظات، إلا أنه قال:"كله فداء للمقاومة، يكفينا أن تبقى مقاومتنا صامدة".
أما السيد محمد عياد "33عام" وهو والد لثلاثة أطفال فيبدي أسفه على بيته ويقول:"صحيح انه غير مدمر بالكامل، لكنه لا يصلح للسكن".
ويسكن عياد في البيت المكون من أربعة طوابق، هو وإخوته، بحيث لن يكون لهم مأوى عند انتهاء العدوان، لكنه يؤكد إصراره على السكن في نفس مكان منزله، فلا خيار له إلا السكن في المكان الذي وُلد وعاش فيه.
وقد صرحت وزارة الصحة، بأنه تم خلال ساعات التهدئة، انتشال جثامين 147 شهيداً من الشجاعية وخزاعة.
ومع اقتراب التهدئة من الانتهاء، حمل الناس ما تمكنوا من اعتباره مازال صالحاً للاستخدام، وبدءوا بالمغادرة، فقبل ثلاث ساعات من انتهاء التهدئة، عادت الشجاعية وكأنها مدينة أشباح، خالية من كل شيء إلا مشاهد الدمار والخراب.
























