غزة-نوى:
يا رب سلّم، يا رب سلّم، رحمتك بابني يا رب، يا رب ترد روحه"، بهذه الكلمات كانت تصرخ السيدة أم محمد عياش، وهي تضرب كفاً بكف، وتمسح دموعها التي تهطل بغزارة على وجهها، الذي ملأه الشحوب وكساه الاصفرار.
عجزت عن الوقوف أكثر فجلست على الأرض، بسبب الازدحام الشديد في القاعة، وجلست إلى جوارها والدة زوجها تبكي حفيدها الغائبة أخباره في غرفة العمليات، اما زوجها، فقد امسك بزجاج غرفة العمليات يبكي ويدعو الله أن ينجي ابنه.
عشرات العيون في قاعة الانتظار، شاخصة نحو باب غرفة العمليات المغلق، على أمل سماع خبر عن قريب او حبيب، مصيره بيد الرحمن ومباضع الجراحة.
فالاحتلال الصهيوني يستهدف المدنيين الفلسطينيين، بالقصف الصاروخي مستخدماً طائرات حربية من طراز F16، وهو ما يؤدي إلى صعوبة الإصابات.
تقول أم محمد 36 عام من بلدة النصيرات وسط قطاع غزة :"كنا نجلس صباح اليوم في البيت انا وأبنائي الخمسة، ومن بنيهم ابني البكر محمد "18عام"، فجأة قصف الاحتلال أرضاً مجاورة لبيتنا، فاستشهد جارنا من عائلة أبو كويك وابنه على الفور، امسكت بأولادي والرعب يملأني خوفاً عليهم، إلا أن محمد خرج ليساعد الجيران".
وتكمل:"صاروخ آخر سقط في المكان فور وصول محمد، أصيب عدد من الناس من بينهم ابني".
وتضيف:"يا رب سلّم ابني، ليس لدي قوة على الكلام، أريد أن أعرف مصير ابني".
وحين وصل والده أثناء حديثها، سألته عن صحة محمد، فأجابها أن الاطباء يجرون له عملية كما يقولون، لكنها صرخت ملتاعة:"قولوا بأنه استشهد خليني أعرف، فهموني شو مصير ابني".
انهارت أم محمد باالبكاء وفشلت محاولات تهدئتها، إلى أن عادت لذكر الله والدعوات لابنها بالسلامة.
في حين قالت جدته:"ليش يتركنا العالم وحدنا، احنا بشر، يساندونا حتى بالكلام، يدينوا جرائم اسرائيل، مش معقول يضل الشعب الفلسطيني لحاله يعاني وينقصف هيك والكل ساكت".
أما الحاجة أم مرشد الكفارنة، والتي أعياها التعب فجلست على الكرسي، تبكي وتتوسل إلى الله ان ينجي ابنها رشيد (30عام) الذي يعمل في جهاز الشرطة الفلسطينية، فإصابته خطيرة وبقي ساعات في غرفة العمليات.
ومن وسط دموعها تمكنت من القول بصعوبة:"ابني رشيد سلم علي الصبح وطلع على الشغل، وبعد خروجه بلحظات، سمعنا صوت قصف، وسمعت في الراديو انه تم قصف دراجة نارية، ابني ليس لديه دراجة نارية، والمفاجأة انه أصيب بهذا القصف".
وتكمل ما حدث مع ابنها فحين كان متوجهاً إلى عمله، الذي اعتاد الذهاب إليه سيراً على الأقدام بسبب عدم توفر مبلغ المواصلات معه، فهو لم يتلق راتبه منذ عدة أشهر، قابله شاب على دراجة نارية حسب ما روى لها شهود، حيث عرض عليه الشاب أن يوصله، ولكن طائرات الاحتلال كانت لهم بالمرصاد فقصفت الدراجة.
وعادت ام مرشد للبكاء من جديد وهي تقول:"لدى ابني 6 اطفال من زوجتين، من لهم إذا جربوا اليتم، من يواسيني إذا فقدت ابني، يا الله ليس لي سواك يلطف بي وينجي ابني، يا الله".
يجلس إلى جوار الحاجة ابنها مرشد وزوجة رشيد ووالدتها وزوجة عمه، كلهم يحذوهم الأمل بلطف الله أن ينجي رشيد، فيم لم تتوقف اتصالات ابناء رشيد على هاتف عمهم الخلوي على امل أن يخبرهم خيراً عن صحة والدهم.
يقول مرشد:"ماذا أقول للاطفال وليس لدي خبر حتى الآن عن والدهم أخبرهم به".ووضع كفيه على عينيه مخفياً دموعه التي انهمرت بغزارة.
وفي قاعة الانتظار لا يمكنك إلا أن تسمع عشرات القصص لعائلات باكملها ترفع يديها إلى السماء متضرعة إلى الله بان ينجي الأحباء، ولسان حالهم يا رب سلّم يا رب سلّم.
























