شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 14 اكتوبر 2026م14:47 بتوقيت القدس

على بعد أمتارٍ من الشجاعية.. الحياة داخل "حقيبة طوارئ"

14 اكتوبر 2026 - 12:49

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لم أعد أعرف كم مرة نزحنا.. كل مرة نقول إنها الأخيرة، لكننا نعود فنحمل أغراضنا ونهرب من الموت وقذائف الاحتلال الإسرائيلي مجددًا"، تقول أماني العجلة، وهي من سكان حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، مستعيدةً رحلة نزوح فقدت القدرة على عدّ محطاتها.

 لا تتذكر أماني كم مكانًا تركت، ولا كم مرة رقّعت خيمتها ورتبت ما تبقى لديها من فراش وأغطية، شأنها شأن عائلاتٍ أخرى وجدت في محيط مفترق الشجاعية، مكانًا تنصب فيه خيامها، بالقرب من أحيائها التي أبعدتها الحرب عنها.

لم يكن اختيار المكان بحثًا عن الراحة، فلا راحة في الخيام أصلًا، بل محاولة للتشبث بما تبقى من الحي والجيران والذاكرة، لكن التفجيرات الإسرائيلية المتكررة، والتقدم بالمكعبات الإسمنتية التي يضعها جيش الاحتلال في إطار ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، أعادا هذه العائلات إلى الركض مجددًا بحثًا عن مكان آخر تلجأ إليه.

تضيف أماني: "لم يعد النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر، فهناك أجرة النقل، وثمن ما يتلف من أغراضنا، وحاجات الأطفال ومصاريف العيش، ثم كلفة إعادة ترتيب حياة مؤقتة نعرف أنها قد لا تستمر طويلًا".

وفي بيان له، حذّر الدفاع المدني في قطاع غزة من تصاعد وتيرة النزوح القسري، مشيرًا إلى أن التفجيرات وإطلاق النار تسببا في نزوح عشرات الأسر، وتضرر مئات الخيام، وتصدع منازل سبق أن استُهدفت.

وشملت المناطق التي قال الدفاع المدني إنها تتعرض لاعتداءات متكررة أحياء الشجاعية والتفاح والزيتون شرقي مدينة غزة، إضافة إلى محيط دوار بني سهيلا وشرق أبراج مدينة حمد والسطر الشرقي في خان يونس.

وبالنسبة إلى النازحين، ليست هذه أسماء مناطق متفرقة على الخريطة، بل أحياء وأماكن يعرفونها جيدًا، خرجوا منها مرة، ثم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الابتعاد أكثر، فيما تضيق المساحة المتاحة للاحتماء.

ويقول عماد حميد، أحد النازحين من محيط الشجاعية: "أصعب ما في الأمر ليس الرحيل وحده، بل أنني لا أعرف أين سأضع أطفالي بعده، خصوصًا بعدما امتلأت الأماكن بالخيام، ولم تعد هناك مساحات يسهل اللجوء إليها".

ومع كل انتقال، تترك العائلة وراءها شيئًا.. قطعة أثاث نجت في مرات سابقة، أو فراشًا اهترأ ولم يعد صالحًا للاستخدام، أو أدوات منزلية تسقط هنا أو تُترك تحت وطأة الخطر، أو حتى خيمة لم تعد صالحة للسكن. قد تبدو هذه الأشياء صغيرة كلٌّ على حدة، لكنها بالنسبة إلى عائلة نزحت مرات متكررة تمثل خسائر مادية لا تملك رفاهية تحمّلها.

أما البقاء قريبًا من الشجاعية، فيحمل معنىً آخر، إذ يريد الأهالي رؤية بيوتهم، أو ما بقي منها، والبقاء قرب المكان الذي عاشوا فيه قبل الحرب، حتى لو تحوّل إلى ركام.

غير أن هذا القرب بات محفوفًا بالخطر، فالخط الأصفر يفصل بين مناطق يُسمح للفلسطينيين بالوجود فيها غربًا، وأخرى يسيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي شرقًا، وتقدّر حكومة الاحتلال مساحة المناطق الواقعة شرقيه بنحو (63%) من قطاع غزة.

في هذه المساحة التي تضيق على السكان، تتداخل خطوط السيطرة مع تفاصيل حياتهم اليومية، فكلما اتسعت المنطقة التي يتعذر عليهم الوصول إليها، تقلصت خياراتهم، وكلما اقتربت التفجيرات من خيامهم، عاد السؤال نفسه: "وين نروح؟".

ويقول النازح محمد سكر: "لا نريد مغادرة الشجاعية، بل نريد البقاء قريبًا منها، فالعودة إليها، حتى وهي مدمرة، تبدو أقل قسوة من اقتلاعنا مرة أخرى إلى مكان لا نعرفه، ولا نعرف كم سنبقى فيه".

ولم تعد المنازل التي بقيت واقفة ملاذًا آمنًا بالضرورة، فقد حذّر الدفاع المدني من خطر انهيار منازل متصدعة بفعل التفجيرات المتواصلة، ما يضع بعض العائلات أمام خيارين كلاهما محفوف بالمخاطر: خيمة لا توفر الحماية، وبيت قد لا يصمد.

بعد ثلاثة أعوام من حرب الإبادة الإسرائيلية، صار النزوح بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين في هذه المناطق حدثًا له بداية من دون نهاية، وجزءًا من الحياة اليومية.. حقيبة طوارئ جاهزة، وأطفال ينتظرون قرار الرحيل، وخوف دائم من أن يحمل الليل خبرًا أو تطورًا يجبرهم على المغادرة مجددًا.

وتتضح قسوة هذه التفاصيل أكثر عند وضعها في سياق حجم الدمار والخسائر البشرية. إذ يشير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى أن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار أوقعت 1493 شهيدًا و5299 مصابًا، فيما تجاوز إجمالي الشهداء منذ بدء الحرب 74 ألفًا.

المرصد الأورومتوسطي: "الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار أوقعت 1493 شهيدًا و5299 مصابًا، فيما تجاوز إجمالي الشهداء منذ بدء الحرب 74 ألفًا".

ويشير المرصد كذلك إلى إصابة أكثر من 175 ألف فلسطيني خلال الإبادة، وإلى أن الدمار طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع، وهي أرقام ضخمة، لكنها تتجسد في الشجاعية في مشاهد يومية ملموسة: خيام ممزقة على أطراف الحي، وبيوت متصدعة تؤوي نازحين، وعائلات تبحث عن زاوية تنام فيها لعلها تقيها قذيفة مدفعية أو تمنحها ليلة أخرى قبل نزوح جديد".

كاريكاتـــــير