شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 12 اكتوبر 2026م15:32 بتوقيت القدس

تدريبات ومستلزمات الإسعاف الأولي دون مستوى الاحتياج..

إنقاذ الحياة في خيام غزة.. نجدةٌ بلا أدوات!

12 اكتوبر 2026 - 13:14

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

رغم مرور أكثر من شهر ونصف على احتراق خيمة خالد أبو الحصين (52 عامًا)، ما زالت ذاكرته تستعيد تفاصيل تلك الليلة القاسية، حين ركض مذعورًا بحثًا عمّا ينقذ به أفراد أسرته، بعدما دوّى صراخهم في المكان.

في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس، لم يتبقَّ للوالد وابنه محمد وعائلتيهما سوى القليل من الملابس المحترقة، والكثير من الرماد والذكريات الموحشة.

خلال الحريق، الذي اندلعت نيرانه بفعل شظايا قصف وقع على مقربة من خيامهم، أُصيب الابن وزوجته بحروق متفاوتة، فيما أُصيب بقية أفراد الأسرة بكسور وجروح غائرة.

يستذكر أبو الحصين الحادث الأليم، قائلًا لـ"نوى": "كنا نيامًا، وفجأة شعرنا بالنيران تلتهم كل شيء من حولنا، ولولا عناية الرحمن وتدخل النازحين لاحترقنا جميعًا".

في الدقائق الأولى للحريق، أخذ أبو الحصين يستنجد طلبًا لأدوات إسعافية تخفف آلام الحروق وتضمد جراح أفراد أسرته، ريثما يُنقلون إلى أقرب نقطة طبية، لكن أحدًا في المخيم لم يكن يمتلك حقيبة إسعاف أو يعرف مبادئ الإسعافات الأولية.

كانت تلك التجربة القاسية دافعًا للوالد المكلوم إلى البحث عن حقيبة إسعاف يجهز بها مكان نزوحه الجديد، غير أن محاولاته باءت بالفشل، في ظل النقص الحاد في الإمدادات والمستلزمات الطبية الذي تعانيه مستشفيات القطاع منذ بداية الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

أبو الحصين واحد من 660 عائلة تقطن مخيمات العرب 1 و2 و3، حيث تغيب حقائب الإسعاف عن الخيام والمخيمات، كما يفتقر النازحون إلى أشخاص مدربين على التعامل مع الإصابات ميدانيًا، في وقت تتكرر فيه الحوادث التي قد تتوقف حياة المصابين على سرعة الاستجابة لها.

احتياج ملموس

يقول المشرف على مخيمات العرب في مواصي خان يونس، رائد خشان: "إن إدارات المخيمات تقدمت إلى المؤسسات الداعمة بطلبات لتوفير أسطوانات إطفاء الحرائق وحقائب الإسعافات الأولية، إلى جانب المعدات الطبية اللازمة للتعامل مع الحالات التي تواجههم باستمرار، مثل حرائق الخيام الناجمة عن الطهي على مواقد بدائية، وحالات الإغماء المتكررة بفعل ارتفاع درجات الحرارة. لكنه يوضح أن هذه المطالب لم تجد استجابة، مضيفًا: "منذ سنوات لم نحصل على شيء".

ويضيف خشان لـ"نوى": "إدارات المخيمات توصي، خلال اجتماعاتها مع المؤسسات وفي تقاريرها الميدانية، بضرورة توفير أدوات الحماية المدنية ومعدات الاستجابة الطبية السريعة، نظرًا إلى أهميتها في بيئة نزوح تحولت فيها الخيام إلى أماكن عالية الخطورة".

"ما قُدّم خلال أكثر من عامين على إنشاء المخيمات اقتصر على دورات توعية بمكافحة الأمراض والحد من انتقال العدوى، من دون تنظيم دورات متخصصة في الإسعافات الأولية".

ويشير إلى أن ما قُدّم خلال أكثر من عامين على إنشاء المخيمات اقتصر على دورات توعية بمكافحة الأمراض والحد من انتقال العدوى، من دون تنظيم دورات متخصصة في الإسعافات الأولية أو تدريب النازحين على التعامل مع المصابين وقت الأزمات.

ويلفت خشان إلى استعداد غالبية النازحين للمشاركة في مثل هذه الدورات وورش العمل، لإدراكهم أهميتها في ظل استمرار تداعيات الحرب والقصف، وما تفرضه ظروف النزوح في المخيمات المكتظة من مخاطر متزايدة.

ويطالب وزارة الصحة والمؤسسات الإغاثية والطبية والمبادرين بتوفير أدوات الإسعاف الأولي، إلى جانب تدريب مجموعات من داخل المخيمات على استخدامها، بما يتيح لهم نقل ما تعلموه إلى بقية الأسر، وتعزيز قدرة النازحين على التعامل مع الإصابات قبل وصول الطواقم الطبية.

تقرير للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أشار إلى انهيار الرعاية الطبية في هذه المخيمات، وغياب التخطيط المسبق للبنية التحتية للمخيمات واحتياجات النازحين.

وتتضح أهمية هذه الاحتياجات، بوصفها ضرورة ملحة لا ترفًا يمكن تأجيله، في تقرير أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في مايو/ أيار 2025، تناول هشاشة أوضاع المخيمات في قطاع غزة وافتقارها إلى الخدمات الصحية الأساسية.

وأشار التقرير إلى انهيار الرعاية الطبية في هذه المخيمات، وغياب التخطيط المسبق للبنية التحتية للمخيمات واحتياجات النازحين، داعيًا إلى اتخاذ تدابير عملية داخل أماكن النزوح، تشمل تحسين المرافق، وتوفير الإضاءة، وتعزيز إجراءات الحماية والسلامة، وضمان الوصول إلى المرافق الطبية، وتوفير الخدمات الصحية والدعم النفسي والاجتماعي للنازحين.

كما أشار التقرير إلى أن 90% من سكان قطاع غزة تعرضوا للنزوح القسري منذ بداية الحرب، وأن تزايد أعداد النازحين دفع إلى انتشار الخيام العشوائية في المساحات العامة، في ظروف تنطوي على مخاطر متزايدة. وهو ما يعزز الحاجة إلى تدريب النازحين على الإسعافات الأولية، باعتبارها جزءًا أساسيًا من متطلبات السلامة في أماكن النزوح.

جهود حثيثة

من جانبها، تقول ناهد صقر، نائبة مدير دائرة العمل المجتمعي في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بغزة: "الجمعية تبذل جهودًا لتقديم دورات في الإسعافات الأولية للمجتمعات المحلية، بهدف تعزيز ثقافة الإسعاف الأولي في مخيمات النزوح بمختلف مناطق القطاع".

وتوضح صقر، خلال حديثها لـ"نوى"، أن الجمعية نفذت 40 دورة للإسعافات الأولية منذ بداية الحرب، استفاد منها 800 شخص، فيما تسعى إلى تنفيذ مزيد من الدورات ضمن خططها المقبلة.

وتبيّن أن محتوى هذه الدورات يركز على كيفية التعامل مع المخاطر التي تواجه النازحين داخل الخيام، ومنها الحروق والاختناق والإجهاد الحراري ولدغات الحشرات والزواحف، وطرق إيقاف النزيف، والتعامل مع سقوط الجدران الملاصقة لبعض الخيام وما قد يترتب عليه من مخاطر، فضلًا عن مضاعفات الأمراض المزمنة لدى كبار السن.

وتلفت صقر إلى الحاجة الملحة لتوفير حقائب الإسعافات الأولية داخل مخيمات النزوح، موضحة أن إدارة الجمعية في رام الله وفرت كميات منها لتلبية هذا الاحتياج في قطاع غزة، لكن إدخالها لا يزال مرهونًا بفتح المعابر.

وتشير إلى أن الجمعية تحاول توفير هذه الحقائب من السوق المحلية، وفق الإمكانات المتاحة، رغم محدودية الكميات وارتفاع الأسعار، مؤكدة أن هذا الخيار لا يمكن أن يكون بديلًا عن إدخال الحقائب عبر المعابر بكميات تلبي الاحتياجات الفعلية.

وتشدد صقر على ضرورة تضافر جهود المؤسسات الإغاثية والإنسانية والمنظمات الدولية لتوفير أدوات الإسعاف الأولي في مخيمات النزوح كافة، وتوسيع نطاق دورات الإسعافات الأولية لتشمل الأسر النازحة، بما يسهم في تحقيق مبدأ "مسعف لكل خيمة".

نزوح يتفاقم أسىً

وفي ظل هذه الفجوات، حذرت الأمم المتحدة من استمرار تعرض الأسر الفلسطينية النازحة في مخيمات قطاع غزة المكتظة لمخاطر مرتفعة لاندلاع الحرائق، إلى جانب التهديدات الصحية المتفاقمة، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى حلول سكنية أكثر أمانًا وملاءمة.

وفي فبراير/ شباط الماضي، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، في بيان، "إن العديد من الأسر تضطر إلى الطهي والنوم وتخزين ممتلكاتها في مساحات ضيقة، تستخدم فيها النيران المكشوفة، ما يزيد احتمالات اندلاع الحرائق".

وأضاف المكتب: "ما لا يقل عن 12 حادث حريق سُجلت داخل الملاجئ منذ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأسفرت عن أضرار مادية وخسائر في ممتلكات الأسر المتضررة".

"ما لا يقل عن 12 حادث حريق سُجلت داخل الملاجئ منذ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأسفرت عن أضرار مادية وخسائر في ممتلكات الأسر المتضررة".

وأشار إلى أن المخيمات المكتظة تعاني نقصًا في مرافق السلامة الأساسية، بما فيها وسائل إخماد الحرائق وأجهزة الإنذار المبكر ومستلزمات الإسعاف الأولي، ما يجعل أي حريق خطرًا بالغًا على حياة السكان، خصوصًا الأطفال وكبار السن.

كما أكد أن الأوضاع الصحية في المخيمات تتفاقم بفعل الاكتظاظ، ونقص التهوية المناسبة، وغياب المساحات الكافية للتخزين الآمن، وهي ظروف تزيد احتمالات انتشار الأمراض والأوبئة.

ودعت الأمم المتحدة المجتمع الدولي إلى دعم برامج الإسكان الطارئة، وتوفير معدات الوقاية من الحرائق، وتحسين الملاجئ القائمة، للحد من المخاطر التي تهدد حياة آلاف الأسر في المخيمات، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في القطاع، والقيود المفروضة، والصعوبات الاقتصادية المتفاقمة.

وأكد مكتب "أوتشا" أن "الأولوية القصوى تكمن في حماية حياة النازحين وتأمين أماكن سكنية آمنة لهم، لأن أي تأخير في الاستجابة يعرض الأسر لمخاطر غير محسوبة، سواء من الحرائق أو الأوضاع الصحية المتردية".

أرقام صادمة

وبحسب تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، استنادًا إلى معطيات المنظومة الوطنية للإيواء، بلغ إجمالي الأسر النازحة في القطاع 509,393 أسرة، تضم أكثر من مليونين و15 ألف نازح يعيشون في ظروف إنسانية قاهرة.

وأشار المكتب، في بيان صادر في أغسطس/ آب الماضي، إلى أن أكثر من مليون و27 ألف نازح يقيمون داخل مراكز الإيواء، بينما يعيش أكثر من مليون و122 ألف نازح خارجها.

"أكثر من 196 ألف أسرة، تضم ما يزيد على 867 ألف شخص، تعيش حاليًا في خيام بدائية مهترئة وبالية، تحتاج إلى استبدال فوري بعدما باتت غير صالحة للحياة".

وذكر أن أكثر من 196 ألف أسرة، تضم ما يزيد على 867 ألف شخص، تعيش حاليًا في خيام بدائية مهترئة وبالية، تحتاج إلى استبدال فوري بعدما باتت غير صالحة للحياة.

وشدد المكتب على أن استمرار إيواء هذه الأسر في خيام متهالكة يشكل تهديدًا مباشرًا لسلامتها الجسدية والنفسية، محذرًا من كارثة إنسانية مع اقتراب فصل الشتاء وتداعياته على النازحين.

كاريكاتـــــير