غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في خيمة نزوحٍ بائسة نُصبت على أنقاض مبنى مهدوم ببلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، انطفأت ضحكات الطفلة جملات ضبان.
لم تعد ذاتها تلك الصغيرة التي كانت تضج بالحياة وتركض في كل زاوية، بل تحولت إلى جسدٍ صغير يسكنه الخوف وتطارده الأسئلة الموجعة: كيف يكون الفقد أبديًا هكذا؟
بدأت فصول هذه المأساة في الحادي عشر من مايو/ أيار 2026م. في ذلك الصباح، تحلقت عائلة ضبان حول مائدة فطور متواضعة، حيث أرغفة الخبز نضجت على نار الحطب.. قليلٌ من الزيت والزعتر، وإبريق شاي ساخن.
لم يكتفِ الصاروخ الإسرائيلي بإصابة الوالدين بجراح مختلفة، بل امتد ليغتال طفولة جملات، ويبتر قدمها على الفور.
كانوا يحاولون اختلاس لحظة سكينةٍ نادرة تحت وطأة حرب الإبادة الإسرائيلية، قبل أن تبدد غارة عنيفة استهدفت محيط خيمتهم كل شيء في غمضة عين.
لم يكتفِ الصاروخ الإسرائيلي بإصابة الوالدين بجراح مختلفة، بل امتد ليغتال طفولة جملات، ويبتر قدمها على الفور.
لم تكن مجرد إصابة جسدية مؤلمة، بل كانت، كما تصفها والدتها رشا، اغتيالًا مفاجئًا لشغف طفلةٍ كانت تفيض طاقة ونشاطًا.
منذ ذلك اليوم، انقلب عالم جملات رأسًا على عقب. تبدل سلوكها كليًا، وباتت ترفض مغادرة الخيمة مطلقًا، وكأنها تخشى مواجهة عالمٍ لم يعد يتسع لخطواتها، "وإن اضطرت للخروج، فلا تقبل ذلك إلا محمولةً على الأكتاف، مختبئةً من واقعٍ فقدت فيه قدرتها على الركض" تخبرنا الأم.

وتسرد تفاصيل المعاناة اليومية بقلبٍ يعتصره الألم، مشيرةً إلى أن صغيرتها باتت أسيرة الشرود، تحدق طويلًا في الفراغ وتومئ بيدها نحو الأعلى، متسائلة ببراءة تدمي القلوب عن الجزء المفقود من جسدها.
ترفض جملات فكرة الاستئصال، وتصر في حديثها المتكرر على أن جنود الاحتلال "سرقوا" قدمها وخبأوها في مكان ما، متوسلةً والدتها باستمرار: "ماما، جيش الاحتلال سرق رجلي، قولي لهم يرجعوها".
ورغم قسوة المشهد، تحاول جملات في بعض الأحيان التمرد على واقعها الجديد، فتسعى للاندماج واللعب مع شقيقها محمد، لكن قسوة العجز تصفعها سريعًا.
سرعان ما تنهزم قواها، وتتراجع لتنطوي في ركن خيمتها مستسلمة لصمتٍ مطبق، فاقدةً رغبتها في حياة لم تكد تبدأها.
أما الفاجعة الكبرى، فتتجلى بأقسى صورها حين تقع عينا الطفلة على صورةٍ قديمة لها في هاتف والدها، تظهر فيها بكامل أطرافها.. حينها، تصرخ بلوعة تفتت الأكباد: "يا ماما هي رجلي.. تعالي جيبيلي ياها من الجوال"، قبل أن تنهار في نوبة بكاءٍ مرير، ترفض فيها تصديق ما حل بها.

أمام هذه التساؤلات والدموع، تقف الأم مكتوفة الأيدي، لا تملك من الإجابات ما يداوي جرح ابنتها الغائر، ولا تملك سوى ضمها إلى صدرها في محاولة لامتصاص نوبات حزنها، وسط ظروف نزوحٍ قاهرة تفتقر لأبسط مقومات الدعم النفسي والطبي.
ولا تعد مأساة جملات حالة استثنائية، بل هي قطرة في بحر معاناة طالت أكثر من (64) ألف طفل في قطاع غزة، تعرضوا للقتل أو الإصابات البالغة منذ بدء الحرب، وفق تقديرات منظمة اليونيسف حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025م.
وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في الشهر ذاته، استمر نزيف الطفولة، لُيصاب مئات الأطفال بجراحٍ خطرة، ويُعلن عن استشهاد ما لا يقل عن 300 طفل وطفلة، في فاتورة دمٍ لا يبدو أنها ستتوقف قريبًا.
























