غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
داخل شقة مستأجرة غُطيت جدرانها بالشوادر البيضاء، يجلس ناهض موسى على فرشة مهترئة، ويستعيد من ذاكرته تفاصيل حياةٍ امتدت نصف قرن في حي الشجاعية، قبل أن تقلب الحرب كل شيء.
كان يعرف الحي حارةً حارة، وبيوته القديمة، وسوق الخضار الشعبي الذي تتجاور فيه الدكاكين ذات الأقبية المقوسة، والمساجد التي حملت في حجارتها طبقات من تاريخ المدينة.
"في السادسة، كنت أرافق والدي إلى الصلاة في مسجد القزمري الأثري، بحجارته الرملية البنية التي تعود إلى العصر المملوكي".
يستعيد الرجل الستيني طفولته قائلًا: "في السادسة من عمري، كنت أرافق والدي إلى الصلاة في مسجد القزمري الأثري، بحجارته الرملية البنية التي تعود إلى العصر المملوكي ومساحته الواسعة، وبعد الصلاة، كنا نتجول في سوق الخضار، بين الدكاكين ذات الأقبية المقوسة، حيث تفوح رائحة التوابل والعطارة والخضار التي تزين البسطات".
اليوم، لا يستطيع ناهض الوصول إلى تلك الأماكن، فقد دمرت الحرب الإسرائيلية أجزاء واسعة من الشجاعية، وطال القصف بيوتها ومساجدها ومواقعها التاريخية، فيما باتت مواقع أخرى تقع خلف الخط الأصفر، بعيدًا عن متناول السكان والجهات المختصة بحمايتها.
تتحجر دمعة عند حافة عينه وهو يستذكر ما كان يراه من أعلى تلة المنطار، قائلًا: "دمر الاحتلال الحي ببيوته وسكانه ومساجده الأثرية، من أعلى تلة المنطار التي كنا نشاهد منها جبال الخليل، إلى مسجد الست رقية ومقام أبو الكاس وبيت السقا الأثري. هذه أماكن تحمل ذكرياتها وعراقتها في ذاكرتي".

ولا يقتصر وجعه على ما فقده جيله، فأحفاده -كما يقول- يكبرون من دون أن يعرفوا الأماكن التي كانت جزءًا من طفولته وحياة الحي.
يقول: "أحفادي الأطفال لا يعرفون شيئًا عن الأماكن العريقة في الحي. وخسارة المواقع الأثرية لا تعوض بأي شكل من الأشكال لنا وللأجيال القادمة".
في الشجاعية وحدها، يقع أكثر من 56 مبنى تاريخيًا وأثريًا خاصًا وعامًا ضمن المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر وتحت السيطرة الإسرائيلية، وفق معطيات البلدية.
ويقول مساعد المدير العام لشؤون التنظيم والتخطيط الحضري في بلدية غزة، المهندس عماد عوض: "إن الشجاعية من أبرز المناطق التي تضم مكونات ومواقع ذات قيمة تاريخية وتراثية، وقد تأثر جزء كبير من نسيجها العمراني نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية والقيود المفروضة على الوصول".
ويضيف أن وجود الخط الأصفر فرض واقعًا عمرانيًا جديدًا أدى إلى عزل بعض المواقع الأثرية عن محيطها الحضري، وزاد مخاطر إهمالها وتدهورها، إلى جانب تغيير العلاقة التاريخية بين الموقع والنسيج العمراني المحيط به.
ولا تستطيع البلدية حتى الآن تحديد حجم الأضرار بصورة شاملة، إذ تستند تقديراتها الأولية إلى المعلومات المتاحة والصور الجوية والزيارات الميدانية، بينما يحول غياب الوصول المباشر إلى عدد من المواقع دون تقييم دقيق لحالتها.
ويشير عوض إلى أن مبنى الأرشيف، الذي يضم عددًا كبيرًا من الوثائق والمخططات المتعلقة بالمباني الأثرية، تعرض لأضرار كبيرة نتيجة الاستهداف المباشر، ما أدى إلى فقدان جزء من المواد التي يمكن أن تساعد في توثيق هذه المواقع.
"استمرار منع الوصول قد يؤدي إلى طمس الحدود التاريخية لبعض المواقع أو تغيير خصائصها وعلاقتها بمحيطها، فضلًا عن تعذر توثيق حالتها بمنهجية".
ويحذر من أن استمرار منع الوصول قد يؤدي إلى طمس الحدود التاريخية لبعض المواقع أو تغيير خصائصها وعلاقتها بمحيطها، فضلًا عن تعذر توثيق حالتها بصورة مباشرة ومنهجية.
ويقول: "أبرز التحديات تتمثل في صعوبة الوصول إلى المواقع، وغياب القدرة على تنفيذ أعمال الحماية والصيانة، وتضرر النسيج العمراني المحيط، وفقدان جزء من الوثائق".
ولا تقتصر المخاوف على الشجاعية وحدها. يقول مدير دائرة المواقع والتنقيب في وزارة السياحة والآثار، د. حمودة الدهدار: "إن الخط الأصفر فصل أجزاء من الذاكرة التاريخية الفلسطينية عن الجهات المختصة التي يفترض أن تتولى حمايتها وتوثيقها".
ويضع الدهدار ضمن المواقع التي تثير القلق: الكنيسة البيزنطية في جباليا، والمقبرة الرومانية في محيط بيت لاهيا، وتل المنطار في الشجاعية، وتل رفح الأثري، وتبة 86 في خان يونس، إلى جانب عدد من التلال والخرب والمواقع الأثرية المنتشرة في شمال القطاع وشرقه وجنوبه.
ويؤكد أن هذه المواقع "ليست مجرد حجارة أو تلال ترابية قديمة"، وإنما طبقات متراكمة من تاريخ فلسطين، تمتد عبر عصور مختلفة، من الكنعانية والرومانية والبيزنطية إلى الإسلامية بمراحلها المختلفة والعصور الحديثة.
ويقول: "الاعتداء عليها لا يعني فقدان مبنى منفرد، وإنما فقدان جزء من السجل المادي للتاريخ الفلسطيني".

وحتى 24 مارس/آذار 2026م، تحققت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" من تضرر 164 موقعًا ثقافيًا في غزة، بينها 8 مواقع أثرية، بالاعتماد في جانب مهم من عملها على الرصد عن بعد وصور الأقمار الصناعية، إلى جانب الزيارات الميدانية عندما تسمح ظروف الوصول.
لكن الدهدار يشدد على أن هذا الرقم لا يعني أن كل موقع خضع لفحص ميداني، موضحًا أن هناك مواقع رصدت أضرارها عبر الأقمار الصناعية أو مصادر موثوقة، وأخرى تعرضت للقصف في مراحل سابقة، فيما لا تتوافر معلومات كافية عن مواقع أخرى بسبب منع الوصول إليها.
ويحذر من أن غياب فرق الآثار عن الموقع لا يعني توقف أعمال الترميم فحسب، بل يتركه عرضة للتعديات والتجريف والسرقة والحفر غير الشرعي، فضلًا عن انهيار العناصر المعمارية ونمو النباتات داخل الشقوق، أو استخدام الموقع ممرًا أو منشأة عسكرية. الأخطر -بحسبه- أن بعض الأضرار قد لا تكون مرئية من الجو.
ويشرح: "إذا فقدنا السياق الأثري، فقدنا جزءًا من المعرفة، وإذا اختفت طبقة أثرية لا نستطيع إعادة اكتشافها، وإذا سرقت قطعة من قبر دون توثيق، فقدنا علاقتها بالمكان، وإذا جُرف تل أثري، فإننا لا نفقد الحجارة فقط، بل نفقد صفحات من التاريخ".
"حماية التراث ليست رفاهية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب، بل جزء من حماية ذاكرة المجتمع نفسه".
لهذا السبب، يرى الدهدار أن حماية التراث ليست رفاهية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب، بل جزء من حماية ذاكرة المجتمع نفسه.
وفي ظل تعذر الوصول إلى عدد من المواقع، يدعو إلى إنشاء آلية دولية عاجلة لحمايتها، والسماح للجهات الأثرية المختصة بالوصول إليها عندما تسمح الظروف الأمنية.
ويختتم حديثه لـ"نوى": "لا نريد أن يتحول الخط الأصفر إلى خط يفصل الفلسطيني عن تاريخه".
وبالنسبة إلى ناهض، لا يحتاج الأمر إلى كثير من الشرح. يكفيه أن يتذكر طريقه القديم إلى مسجد القزمري وسوق الخضار، ثم ينظر إلى أحفاده الذين لم يعرفوا تلك الأماكن أصلًا، ليدرك أن ما غاب خلف الخط الأصفر ليس حجرًا فقط، بل جزء من حياة كاملة.
























